سوريا ولبنان: نحو مستقبل جديد يرسمه المنتصرون وفق المصالح الكبرى

- الإعلانات -

قد تكون العلاقات السورية – اللبنانية واحدة من أشد العلاقات البينيّة تعقيداً وتداخلاً بين بلدين عربيّين. ولهذا الأمر أسبابه العديدة التي تتداخل فيها الجغرافيا مع التاريخ والاقتصاد والاجتماع، في حين يبقى الثابت الوحيد في كلّ الحالات هو السياسة.

جو غانم-الميادين نت

وقد مرّت تلك العلاقات تاريخيّاً بمراحل مختلفة ومتأرجحة بين الصفو والتعكير، والخصومة والتوأمة، والتأثير المتبادَل السلبيّ والإيجابيّ، وذلك منذ انهيار الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على بلاد الشام، ثم عبث القوى الاستعمارية الغربيّة بخرائط المنطقة وما نتج منه من تشكيل بلدان وكيانات، مع الحرص الاستعماري على إرساء عوامل الخلاف بينها من كل النواحي والجوانب.

في سوريا، يُعتبر لبنان خاصرة البلاد التي يمكن أنْ ينفذ منها كلّ ما هو مفيد ومؤذٍ على السواء. وقد تعاملت دمشق مع بيروت منذ الاستقلال عن المستعمر الفرنسيّ في أواسط أربعينيات القرن الماضي بطرائق سياسيّة مختلفة تباينت بين محاولات الاحتواء أو الهيمنة أو الندّية.

وفي كلّ الأحوال، هناك ثابتٌ سوريّ يتعلّق بالوعي بأهمية لبنان القصوى بالنسبة إلى سوريا، وبضرورة أن تكون بيروت إلى جانب دمشق تماماً، وإلّا، فلتكن تابعةً في حال اشتغلت قوى لبنانية على أخذ البلاد إلى المقلب المعادي للشآم. وقد تجلّت كلّ تلك الحالات بوضوح في مراحل مختلفة من تاريخ البلدين.

أمّا في لبنان، حيث يدرس التلامذة الصغار في العديد من مدارس البلاد تاريخ فرنسا البعيدة التي كانت تحتلّ البلاد، ولأنّه شكّل ساحة مكشوفة سياسيّاً وإعلاميّاً في أغلب المراحل خلال العقود الأخيرة، فلا يعرف الجيل الجديد الكثير عن تاريخ العلاقات اللبنانية – السوريّة.

وكما يحصل في جلّ الأمور والشؤون التي تخصّ هذه البلاد عموماً، هناك من يُحدّد ما الذي يجب أنْ يُعرف أو لا يُعرَف، بدءاً من تاريخ البلاد وجغرافيتها، وصولاً إلى تحديد العدو أو الصديق، وذلك وفق الأجندة السياسية للقوى المهيمنة والمنظومة السياسية (والإعلامية التقليدية المتخادمة معها) التي تُمثّلها، لا وفق الوقائع الصارخة أو المصالح الوطنية الكبرى للبنان واللبنانيين.

بعد إطلاق واشنطن مشروع “الشرق الأوسط (الإسرائيلي) الجديد”، الذي دُشّن باجتياح العراق وتدميره، والذي بلغ إحدى أهمّ محطّاته عند اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق، رفيق الحريري، ثم بلغ ذروته خلال العدوان الإسرائيلي في تمّوز/يوليو من العام 2006، جرى كتابة تاريخ جديد للعلاقات اللبنانية – السوريّة، قائم على العداء كلّه بالنسبة إلى جزء من اللبنانيين الذين يتبعون قوى ومرجعيّات سياسية كانت جلّها، حتى الليلة التي سبقت اغتيال الحريري، تحجّ إلى مركز الأمن والاستطلاع السوري في بلدة عنجر البقاعيّة، وقائم من جهة أخرى، بالنسبة إلى قسم آخر من اللبنانيين، على تثبيت حلف وطنيّ مقاوم لقوى الهيمنة في المنطقة، بالتكامل مع دمشق وبقيّة قوى ما بات يُعرف بمحور المقاومة في الإقليم، وأضيف إليهما شريحة لبنانية ثالثة مثّلها الجنرال ميشال عون وتياره السياسيّ الذي نما بقوّة في الشارع اللبنانيّ.

وقد مثّلت هذه الفئة بدورها، وفي أصعب الظروف أيضاً، مشروع رافعة وطنيّة للبنان الساعي إلى السيادة والتحرر من الهيمنة والتكامل مع إقليمه العربي، وخصوصاً سوريا الجارة، بحكم المصالح الوطنية الواقعيّة.

بلغت العلاقات اللبنانيّة – السوريّة في تلك الفترة تحديداً حدّاً غير مسبوق من التشوّه والتشويه المتعمّد، إذ تحوّل السوريّ إلى عدوّ، وأصبح حلفاء سوريا قتلة، وبات كل من يعادي المشروع الأميركيّ – الإسرائيليّ في لبنان والمنطقة عدوّاً للبنان الجديد.

وقد تجلّى هذا الأمر بشكل واضح في أكثر من مفصل خطر في تلك الفترة، وخصوصاً خلال عدوان تموز وما تلاه، وصولاً إلى بدء الحرب في سوريا وعليها، إذ سعت قوى الهيمنة الدولية وأدواتها الإقليمية والمحليّة لتحويل لبنان إلى خاصرة قاتلة لسوريا، فبدأت القوى المنغمسة في المشروع الغربي بتحويل البلاد إلى مقرّ وممرّ لكلّ ما من شأنه ضرب استقرار الجارة العربية والعبث بأمنها القوميّ.

وقد مثّلت هذه الفترة انتهاكاً لكلّ الاتفاقيات والمواثيق السورية – اللبنانية، بدءاً بالميثاق الوطني اللبناني الموقّع بُعيد أسابيع من الاستقلال عن فرنسا، والذي تعهّدت السلطات اللبنانية بموجبه “بألّا تستخدم الأراضي اللبنانية ممرّاً أو مقرّاً لأعداء سوريا”، وصولاً إلى اتفاقية “الأخوّة والتعاون والتنسيق” الموقّعة في العام 1991، بُعيد إقرار “اتفاق الطائف”، مروراً بعشرات الاتفاقيات الموقّعة بين البلدين.

اقرأ أيضاً : شريان حيويّ جديد يربط لبنان وسوريا

وكشفت هذه الفترة الحرجة أيضاً مدى ارتباط مصير البلدين ببعضهما البعض، إذ استشعرت قوى المقاومة في لبنان، وعلى رأسها المقاومة الإسلامية – حزب الله، والحزب السوري القومي الاجتماعيّ، الخطر الداهم الذي يستهدف سوريا ولبنان وجميع قوى المقاومة في الإقليم، فلم تتوانَ عن الانخراط في الحرب إلى جانب الجيش العربي السوريّ، لتقدّم مئات الشهداء والجرحى من خيرة قادتها ومقاوميها، ويخوض حزب الله تحديداً معارك مفصلية ومصيرية بالنسبة إلى محور المقاومة، وإلى المشروع الغربيّ أيضاً، كان لها الدور الأبرز في إحباط هذا المشروع، وخصوصاً في مناطق القصير وريف دمشق وحلب والبادية، وفي القلمون على الجانبين السوري واللبناني، بعد أنْ بلغت الجماعات التكفيرية المدعومة من الغرب ومن بعض القوى اللبنانية جبال لبنان وتلاله، ليشارك الجيش اللبنانيّ في المعارك جنباً إلى جنب مع المقاومة، ومع الجيش السوري على الجانب الآخر، ويقدّم تضحيات مؤلمة من ضباطه وجنوده. وقد كرّست هذه الحرب مبدأ وحدة المصير بالدم الممزوج هذه المرة.

بالتوازي، تعاطت قوى وطنية سياسية لبنانية، وعلى رأسها الجنرال ميشال عون، الذي كان قد أصبح رئيساً للجمهورية اللبنانية، والتيار الوطني الحرّ ورئيسه الوزير جبران باسيل، مع الحرب على سوريا بمسؤولية عالية، انطلاقاً من رؤيتهم لمصلحة لبنان المرتبطة تماماً باستقرار سوريا ونهضتها.

وتحمّل الرئيس عون حصاراً سياسيّاً مطبقاً ومحاولات لم تنتهِ لإفشال عهده، بسبب مواقفه من الحرب على سوريا، وحلفه المتين مع المقاومة في لبنان، ودفاعه عن صوابيّة انخراطها في الحرب ضد المشروع الغربي في سوريا والمنطقة، وخصوصاً أنّ لبنان أُغرق باللاجئين السوريين الذين جرى جلبهم واستغلالهم ضد سوريا ولبنان معاً.

وقد استدعت كلمة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في العام 2019 حول نيّته الذهاب إلى دمشق (ما يعني خرق الحصار السياسيّ على سوريا) لحلّ موضوع اللاجئين مع القيادة السورية، إعلان “ثورة” أميركيّة في البلاد، إذ استغلّت واشنطن والقوى الغربية غضب المواطن اللبنانيّ على الطبقة السياسية الفاسدة، لتدفع عشرات الجمعيات المموّلة أميركيّاً وغربيّاً إلى الشارع والهتاف ضد المقاومة ورئيس الجمهورية وباسيل بشكل شخصيّ، أو في أفضل الأحوال، مساواة هؤلاء بالطبقة الفاسدة، وتحميلهم مسؤولية الانهيار، في الوقت الذي كانت واشنطن تعمل بكل قوة لتهيئة كل عوامل الانهيار وإتمامه، وذلك من خلال الطبقة السياسية اللبنانية العاملة لديها، وفي مقدمتها “حزب المصارف”، تزامناً مع حصار أليم فرضته على لبنان بمساعدة دول عربية وإقليمية.

ولم يكن هذا الحصار سوى استكمال لحلقة “قانون قيصر” الأميركيّ الذي يحاصر سوريا، فقد أدركت واشنطن وحلفاؤها في الغرب والمنطقة أنّ حصار سوريا لا يكتمل إلّا بحصار لبنان، لحرمانه من الرئة الاقتصادية اللبنانية المهمة جدّاً أوّلاً، ثم لتأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة والقوى الوطنية الحليفة لسوريا ثانياً، باعتبارها السبب في معاناة الشعب اللبنانيّ. وقد وصلت العقوبات الأميركية إلى الوزير جبران باسيل نفسه، و”لأسباب سياسيّة”، كما اعترف أكثر من مسؤول أميركيّ.

ربما تكون نتائج الحرب على سوريا هي أفضل ما سيُتمّ رسم شكل العلاقات السورية اللبنانية وتحديدها للفترة القادمة، فناهيك بأنّ النظرة السورية إلى لبنان تطورت منذ استلام الرئيس بشار الأسد دفّة القيادة في سوريا، ثم خروج الجيش السوري من لبنان – وقد عبّر الرئيس الأسد نفسه عن هذا الأمر في أكثر من خطاب أو لقاء – ثمّ عمليّاً بافتتاح سفارة سوريا في بيروت، وتعيين السفير علي عبد الكريم عليّ، وهو مفكّر مرموق وأديب، وسليل عائلةٍ اشتُهرت بالأدب والتديّن الوسطيّ والانفتاح والخلق الرفيع، عدا عن كونه واحداً من أبرز الدبلوماسيين السوريين على مدى العقدين الأخيرين.

ولعلّ دلالة استبدال مسألة التعاطي البينيّ مع شخصية أمنية، والتي كانت سائدة في وقت سابق، بالتمثيل السوري السياسيّ بشخصية دبلوماسيّة لها صفات السفير علي عبد الكريم علي، كانت أفضل إشارة إلى رؤية الرئيس الأسد لشكل مستقبل العلاقة بين البلدين.

أمّا الحرب ونتائجها، فقد جاءت بما تبقّى من دلالات ومؤشّرات على مستقبل هذه العلاقة، إذ تسود رؤية سوريّة على أعلى المستويات تؤمن بأنّ حلفاء سوريا في لبنان هم أفضل ضمانة لسير هذه العلاقات على أفضل نحو.

كما أنّ هناك رؤية مشتركة للحلفاء على الجانبين بأنّ التكامل السياسي والاقتصاديّ هو وحده ما يمكن أن ينهض بالبلدين معاً؛ فالقوى المقاومة والسياسية في البلدين قاتلت معاً، وانتصرت معاً، وواجهت الحصار الغربي معاً.

وترى دمشق أنّ ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها على مستوى الإقليم والعالم، كما ترى وجوب أنْ تصطبغ المرحلة القادمة بالدرجة الأولى بانفتاح اقتصاديّ بين بلدان المقاومة في المقام الأول، والربط مع الدول الصديقة، وصولاً إلى أقصى الشرق في الصين، بحيث تُكمّل اقتصادات هذه البلدان بعضها البعض، للتحرّر من الهيمنة الاقتصادية الغربية التي تستغلها واشنطن للضغط سياسيّاً عليها، بشكل يصبّ في مصلحة المشروع الغربي وسلب هذه البلدان إرادتها السياسية، ولبنان يقع في قلب هذه الرؤية السورية.

وقد ساعدت طريقة التعاطي الأميركي والغربي والعربي – الذيليّ – مع لبنان في هذه المرحلة، وتماهي الأدوات اللبنانية مع هذا المشروع الخانق الذي أدّى بلبنان واللبنانيين إلى حافة الانهيار، على الوصول إلى هذه الرؤية لدى العديد من القوى الوطنية السياسية اللبنانية، وهو ما عبّر عنه الرئيس عون والوزير باسيل في أكثر من موقف.

واستطاعت المقاومة في لبنان بالتعاضد مع دمشق وطهران تحدّي الإرادة الأميركية المتمثّلة بالحصار الاقتصادي للبنان وسوريا، وفرضت وصول مصادر الطاقة من طهران إلى لبنان عن طريق سوريا، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التسليم بقدرة قوى المقاومة هذه على الانتصار على هذا الصعيد أيضاً، فأعلنت موافقتها على إيصال الغاز والمشتقات النفطية المصرية إلى لبنان، وعن طريق سوريا التي تخنقها تحديداً، وفي هذا مؤشّر آخر شديد الأهمية على صوابيّة رؤية ومشروع دمشق وحلفائها في لبنان والمنطقة، وقدرتهم على رسم مستقبلهم الجديد بإرادة القوة والمصالح الوطنية الكبرى.

من هنا، تقوم الرؤية السورية على أنّ مستقبل العلاقات البينية بين البلدين ستحدّده دمشق بقوة وثبات مع هذه القوى تحديداً، وسيكون بعيداً عن كل أشكال الهيمنة أو التدخل في الشؤون الداخلية.

ولعلّ التعاطي السوريّ مع الانتخابات البرلمانية اللبنانية، التي ستجري في أيار/مايو القادم، هو أفضل صورة عن هذه الرؤية، فقد أعلن الرئيس الأسد بوضوحٍ مؤخّراً عدم وجود نيّة سوريّة بالتدخّل في هذه الانتخابات، وأنّ دمشق تثق بحلفائها الأقوياء في لبنان، وترى ما يرون.

كما أنّ طريقة تعاطي السفير علي عبد الكريم علي مع هذا الاستحقاق اللبنانيّ مثّلت رؤية دمشق تلك بأفضل صورة ممكنة، فبخلاف السفراء الغربيين والعرب، الذين يبدو أنّهم يخوضون معركة انتخابية مصيرية، بقي السفير السوريّ محافظاً على هدوئه ونشاطه المعتاد، واثقاً بقدرة حلفاء سوريا على تخطّي هذه المرحلة وتحقيق نصر جديد، بل إنّ سوريا لم تتدخّل حتى لمصلحة ترشيح الأمين القطريّ لحزب البعث العربي الاشتراكيّ في لبنان، وفضّلت الوقوف مع اختيارات حلفائها، لما فيه مصلحة وطنية بالنسبة إليهم وإلى دمشق، وفي هذا أفضل إشارة إلى الثقة المتبادلة بين الحلفاء على الجانبين، الذين يرسمون بثبات وثقة مستقبل العلاقات بين البلدين، بما يؤسّس لشكل مختلف تماماً عن كل الحقب الماضية، ويصب في مصلحة البلدين الشقيقين وشعبيهما على الصعد كافة؛ هذا المستقبل الذي يتّكئ بشكل أساسيّ على انتصار دمشق والمقاومة والقوى الوطنية الحليفة في لبنان، وتَقدّمها باتجاه فرض رؤيتها السياسية والاقتصادية بعد اقتراب المشروع الأميركيّ في البلدين من خطّ نهايته، وبروز مؤشّرات ضعفه وقُرب تداعي أدواته المحليّة، وذلك عقب قتالٍ مرير وتضحيات كبيرة قُدّمت، وما تزال تُقدّم، على مذبح تحرير الإرادة الوطنية في سوريا ولبنان والمنطقة.

اقرأ أيضاً : اللاجئون السوريون في تركيا.. ما هي حسابات إردوغان؟

قد يعجبك ايضا