لماذا يتأخر البعض عن مواعيدهم دائمًا؟ العلم يفسر السبب

- الإعلانات -

لماذا يتأخر البعض عن مواعيدهم دائمًا؟ العلم يفسر السبب
يوجد عدة أسباب قد تجعل الأشخاص يتأخرون عن مواعيدهم سواء كانت مهنية أو خاصة أو طبية أو أي مناسبة أخرى، ورغم هذا السلوك غير المريح إطلاقا، فإننا نحاول بشكل أخرق تبرير أنفسنا بأعذار ملموسة إلى حد ما.
فلا يصنف التأخرُ المزمن عن المواعيد وفقا لأهمية المواقف: إذا كنا نتأخر كثيرا فإننا نتأخر في جميع أنواع السياقات.

لكن لماذا يبدو أن بعض الناس وكأنهم يُغذّون فنّ التأخر بشكل منهجي؟، هل هو نوع من المراوغة المحبّبة، أم اضطراب نفسي حقيقي؟.
وهل محكوم على المتأخرين عن المواعيد بشكل مزمن بعدم الحضور في الوقت المحدد أبدا، على الرغم من حسن النية والإرادة؟.
لا شك أن جميع الناس يمكن أن يتأخروا من وقت لآخر، بالطبع، حيث غالبا ما تكون أحداث غير متوقعة هي السبب.
نحن نقبل هذه التفسيرات عن طيب خاطر، ونتعاطف غالبا مع أولئك الذين يعتذرون عن التأخير.
ولكن ماذا عن الأشخاص الذين، في كل مناسبة تقريبا، لا يحضرون في الوقت المحدد؟ وهو ما يجعل من الصعب على الجميع فهم وقبول الأعذار التي تبدو غير مقنعة.
من الصعب جدا على الأشخاص الذين يلتزمون بالمواعيد أو نادرا ما يتأخرون أن يتخيلوا شخصا متأخرا عن مواعيده، فينظرون إليه في بعض الأحيان على أنه غير متسق أو طائش، أو على العكس من ذلك أنه أناني، أو يرى نفسه أعلى من الجميع (معتبرا على الأقل أن وقته أغلى).
وبحسب موقع ”trustmyscience“ العلمي، فإنه ”من المسلّم به أن هناك اختلافات ثقافية تتعلق بالوقت وبالأهمية المعطاة للتأخير، لكننا مهتمون هنا بالحالة العامة لتكرار ظاهرة التأخر المنهجي عن المواعيد“.
فمنذ عقود وعلماء النفس حائرون أمام هذ السؤال: ”ما وراء هذا التأخر المتكرر“؟ وقد تم طرح العديد من السبل، بعضها يمكن أن يفتح الباب على ”الشفاء“ من هذا العبء السلوكي.
التأخر إرادة لا واعية أم سمة شخصية؟
لماذا يتأخر بعض الأشخاص عن الموعد دائما؟ التفسير الأول يجب البحث فيه من ناحية التحليل النفسي.
يمكن أن يبدأ التأخر المزمن في مرحلة الطفولة المبكرة.
ومن بين الأسباب المحتملة يستشهد الباحثون الفرويديون (نسبة لمدرسة فرويد في التحليل النفسي) على وجه الخصوص بالميول العُصابية المدمّرة للذات، أو بوجود خلل في المراحل المبكرة من التطور الشخصي.
وعلى سبيل المثال الشخص الذي كان أحد والديه يتأخر باستمرار ويقلل من عيب هذا السلوك يمكن دون وعي منه أن يعيد إنتاج هذا النمط، كما لو كان هذا الشخص يريد أن يظل مخلصا لوالده.
في الواقع، وفقا لعلماء النفس، هناك عدة طرق للاستجابة لنموذج الأسرة: التكرار، أو التجنب، أو التعويض.
يمكننا أيضا الاستشهاد بشخص يقوم بتخريب نفسه: يخاف دون وعي من النجاح المهني و/أو المسؤوليات المرتبطة به، فيظل يتأخر بشكل منهجي عن المواعيد المهنية.
لكن مع أشخاص آخرين قد يكمُن السبب في التقدير الشخصي الذي لديهم عن أنفسهم.
إذ إن هؤلاء الأشخاص لا يعتبرون أنفسهم مهمّين، وهم غير وثوقين بأنفسهم، ولذلك؛ فإن التواجد في الوقت المحدد ليس مهما عندهم، وهو ما يعزز تصوّرهم السلبي عن أنفسهم.
من ناحية أخرى، يمكن أن يفسِّر السعيُ إلى الكمال ”أنماطا“ معيّنة من التأخيرات، خاصة فيما يتعلق بالمواعيد النهائية.
يقترح علماء النفس أن السعي إلى الكمال هو شكل من أشكال القلق من أن لا يحقق الأشخاص الكمال، أو من إنتاج عمل غير كامل، وبالتالي مخيب للآمال.
يتجلى هذا القلق كخوف، ولكن بدلا من التغلب عليه يستخدمه البعض كذريعة للتأخر.
ناهيك عن أن قلق الساعين إلى الكمال يُجبرهم أيضا على مراجعة أعمالهم ”مرة أخيرة“ مرة تلو المرة، في دائرة لا نهاية لها على ما يبدو.
بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يُراكِم الساعون للكمال التأخير في محاولة لتحسين وقتهم إلى الحد الأقصى.
فبدلا من المغادرة مبكرا لموعد محدد فإن الوقت المتبقي لديهم يستخدمونه في مهمة جديدة، بدافع الخوف من عدم النشاط، أو حتى يشعروا أنهم أكثر فائدة.
بالإضافة إلى جميع الأسباب المذكورة فإن المتأخرين عن الوصول في الموعد قد يثمنون من خلال تأخرهم عن المواعيد الاهتمام الذي يحصلون عليه من الآخرين، وهي طريقة لاختبار الآخر وقوة عاطفته؛ ما يضمن لهم دون وعي مشاعر الآخر نحوهم على الرغم من أخطائه.
علاوة على ذلك فإن المعجبين بالتأخر قد يكونون غير مبالين بعواقب تأخرهم على الآخرين، وهو أحد أعراض الأنوية الشائعة.
وأيًا كان السبب اللا واعي، يتفق المحللون النفسيون جميعا على القول إنه بمجرد إبراز السبب وفهمه سيكون من الأسهل معالجة هذه المواقف غير المريحة.
في الواقع يشعر الشخص المتأخر عن مواعيده بـ ”العار“ من هذه الفجوة السلوكية في مواجهة مجتمع يدعو إلى الالتزام بالمواعيد.
التأخر اضطراب نفسي مرتبط جزئيا بإدراك الزمن
أكثر من مجرد هوس؛ يمكن أن يكون التأخر اضطرابا منهجيا مرتبطا بإدراك الوقت، حيث تكون الساعة الداخلية غير متزامنة مع ساعة بقية العالم.
في العام 2001، صنف جيف كونتي، أستاذ علم النفس بجامعة ولاية سان دييغو، الأشخاص إلى نوعين رئيسيين:
النوع (أ)، هم الأشخاص التنافسيين والطموحون، والنوع (ب)، هم الأشخاص المبدعون المُمعِنون المُتَروُّون.
والاختلاف في الشخصية يؤدي حرفيا إلى اختلاف في المنظور، فالشخصيتان تنظران إلى الواقع بشكل مختلف قليلا.
ويعاني الأشخاص من النوع (ب) من تحيز التفاؤل، فهم يقللون من صعوبة المهمة، بينما يعاني الأشخاص من النوع أ من تحيز التشاؤم، فهم يبالغون في تقدير صعوبة المهمة.
ثم طلب منهم الخبير النفسي جيف كونتي أن يقدروا ذهنيا تدفق دقيقة واحدة.
قدّر الأشخاص من النوع (أ) أن دقيقة واحدة قد مرت، بينما سجلت ساعة قياس الوقت 58 ثانية.
وقدّر المشاركون من النوع (ب) أن دقيقة واحدة قد مرت، وسجلت ساعة قياس الوقت 77 ثانية.
وخلصت هذه الدراسة إلى أن ”الأشخاص أصحاب التأخر المزمن يقللون من قيمة الوقت الذي يستغرقه إكمال المهمة، بنسبة 40٪ تقريبا. أما المتفائلون الأبديون فهم يخططون للعديد من الأنشطة في فترة زمنية قصيرة جدا“.
متى يكون التأخير مفيدا للصحة؟
سواء كان نتيجة اللاوعي، أو الافتقار إلى التنظيم، أو التسويف، أو ببساطة لأنه من سمات الشخصية، فإن التأخير، بالنسبة لمعظم الناس الذين يختبرونه لا يحظى بتقدير كبير. الأفراد الملتزمون بالمواعيد ينظرون بازدراء للمتأخرين عن مواعيدهم.
ومع ذلك، فإن التأخر قد يكون أقل سلبية مما نتصور، على الأقل بالنسبة للصحة العقلية، إذا اعتبرنا أن الوقت من العناصر المكوّنة للشخصية.
درس الباحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد هذه المسألة، واكتشفوا أن الأشخاص المتأخرين عن مواعيدهم لا يعيشون حياة أكثر سعادة وحسب، بل حياة أطول أيضا.
مع العلم أن التوتر له تأثير سلبي على الصحة؛ حيث إن الأشخاص المتأخرين قد يكونون ”أقل عرضة للضغط، وأقل اهتماما بالمواعيد النهائية، وأكثر استرخاء“.
ويمكن أيضا تفسير هذه الملاحظة جسديا: ”ضغط الدم لديهم أقل، وهم أقل عرضة بكثير للإصابة بالنوبات القلبية“.
كما أن معدل اكتئابهم سيكون أقل أيضا؛ ما يساهم في إطالة العمر؛ لأن هؤلاء الناس، كما ذكرنا من قبل، سيظلون متفائلين باستمرار.
يقول الباحثون: ”تظهر لنا الأبحاث أن الموقف المتفائل في وقت مبكر من الحياة يمكن أن ينبئ بصحة أفضل، ويقلل من معدلات الوفيات“.
لذلك؛ فإن التأخير أكثر تعقيدا بكثير من كونه مجرد مسألة زمن.
في النهاية هل تأخرنا حقا؟
كما ذكرنا بإيجاز سابقا يرى الأشخاص من خلفيات ثقافية متنوعة وراء عبارة ”الوصول المتأخر“ حقائق مختلفة تماما.
في فرنسا وشمال إيطاليا لا يزال التأخر من ست إلى سبع دقائق يعني أساسا أنك وصلت في الوقت المحدد، على عكس البلدان ذات التصور الصارم لإدارة الوقت، مثل: ألمانيا، وسويسرا، والدول الإسكندنافية، والولايات المتحدة، وبريطانيا العظمى.
ففي الثقافات ذات التصور المرن للوقت، مثل: الشرق الأوسط، أو إفريقيا، أو الهند، أو أمريكا الجنوبية، يكتسب الوقت مرونة مختلفة تماما.
يعني أنه بحكم سير المجتمع (الكثافة السكانية العالية، الازدحام المروري، إلخ) لا يوجد فرق بين الساعة 9:15 صباحا، والساعة 9:45.
وكان عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد تي هول، من أوائل الباحثين الذين درسوا كيف تختلف المجتمعات في علاقتها بالوقت.
فهو يميز بين الثقافات ”أحادية الزمن“ عن الثقافات ”متعددة الزمن“.
بالنسبة للأولى يُعتبر الوقت حقيقة ملموسة، ويوضح: ”نقول كسبنا الوقت، أو مر الوقت، أو بُدّد الوقت، أو ضاع الوقت، أو استُدرِك الوقت، أو الوقت طويل، أو نقتل الوقت، أو يمر الوقت. ولا بد من أخذ هذه الاستعارات على محمل الجد. تستخدم الإدارة أحادية الزمن كنظام تصنيف يخلق النظام في الحياة. وتنطبق هذه القواعد على كل شيء ما عدا الولادة والموت“.
وعلى العكس من ذلك تتمتع الثقافات متعددة الزمن (التي تنجز أشياء كثيرة في وقت واحد) بعلاقة مرنة مع الوقت، والمشاركة الفردية، وإنهاء المعاملات.
كتب إدوارد ت. هول: ”المواعيد ليست ذات طابع جاد، وبالتالي غالبا ما يتم إهمالها أو إلغاؤها…؛ لأنه من المرجح أن يُنظر إلى المواعيد على أنها نقطة أكثر من كونها شريطا أو طريقا.
إذن، فإن إدارة الوقت تتأثر بعمق بعوامل تاريخية تشكل الطريقة التي نعيش بها ونعمل ونفكر ونتفاعل بها مع الآخرين.
فالمتأخر المزمن في فرنسا يُنظر إلية في ثقافات أخرى على أنه شخص دقيق في المواعيد.
ومع ذلك، فمن خلال الأدب العلمي يبدو أن التأخر ليس حتميا. إن قبول نمط شخصيتنا، وإدراك الأسباب الحقيقية الكامنة وراء سلوكنا هي الخطوة الأولى نحو الالتزام بالمواعيد.
اقرأ ايضاً:تعرف إلى أطرف وأغرب أسباب الطلاق حول العالم.. بينها دولة عربية

قد يعجبك ايضا