أزمة الطاقة العالمية.. الأسوأ لم يأتِ بعد (1)

- الإعلانات -

أزمة الطاقة العالمية.. الأسوأ لم يأتِ بعد (1)

إن أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا يمكن أن تصبح الأسوأ منذ نصف قرن. لكن الاضطرابات الحاصلة في أسواق الوقود اليوم ليست سوى معاينة للحقبة المضطربة المقبلة. و”الأسوأ لم يأتِ بعد”، بحسب تقرير جديد لـ”الفورين أفيرز”.

في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية يبدو أن العالم عند نقطة إنعطافة كبيرة وخطيرة جداً. لقد دقَّ صُنَّاع السياسات وقادة الأعمال ناقوس الخطر، وأعلنوا صراحة؛ وبشكل رسمي؛ أن الركود التضخمي يلوح في الأفق بفعل تقهقر العولمة. وندَّد أكاديميون بعودة الغزو وأشادوا بتجديد العلاقات عبر الأطلسي. وثمة دول عديدة بدأت تعيد التفكير في كل جانب من جوانب سياساتها الخارجية، بما في ذلك التجارة، والإنفاق الدفاعي، والتحالفات العسكرية.

هذه التحولات الدراماتيكية طغت على تحول عميق آخر يخص نظام الطاقة العالمي. فعلى مدى العقدين الماضيين، أدَّت الحاجة المُلحة لتقليل انبعاثات الكربون إلى إعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي. الآن؛ ونتيجة الحرب في أوكرانيا؛ عاد أمن الطاقة إلى الواجهة، وأصبح؛ مع أزمة تغير المناخ؛ مصدر قلق كبير بالنسبة لصُنَّاع السياسات. هذه الأولويات المزدوجة مجتمعة على وشك إعادة تشكيل التخطيط الوطني للطاقة، وتدفقات تجارة الطاقة، والاقتصاد العالمي الأوسع. وبالتالي، فإن الدول ستركز على مشاكلها في الداخل، وستعطي الأولوية لإنتاج الطاقة المحلية والتعاون الإقليمي حتى وهي تسعى إلى تحقيق “صفر إنبعاثات كربونية”.

وإذا تراجعت البلدان إلى تكتلات الطاقة الإستراتيجية، فإن الاتجاه المتعدد العقود نحو المزيد من الترابط يعني أن عصر تجزئة الطاقة قد بدأ. ولكن، بالإضافة إلى القومية الاقتصادية وإلغاء العولمة، فإن نظام الطاقة المرتقب سيتم تعريفة من خلال التدخل الحكومي في قطاع الطاقة على نطاق لم نشهده في الذاكرة الحديثة. فبعد أربعة عقود؛ سعت خلالها إلى كبح نشاطها في أسواق الطاقة؛ تُدرك الحكومات الغربية الآن الحاجة إلى لعب دور أكثر إتساعاً في كل شيء، من بناء (وتقاعد) البنية التحتية للوقود الأحفوري إلى التأثير على الجهات التي تشتري وتبيع فيها الشركات الخاصة الطاقة، إلى الحدّ من الانبعاثات من خلال تسعير الكربون، والإعانات، والتفويضات، والمعايير.

إذا أحسنت الحكومات إدارة تدخلها في قطاع الطاقة ستتمكن أيضاً من معالجة أزمة المناخ، وتقليل المخاطر وإدارة التحديات الجيوسياسة التي يفرضها أمن الطاقة هذا التحول يدعونا إلى إجراء مقارنات مع ما جرى في سبعينيات القرن العشرين، عندما أدّى التدخل الحكومي المفرط في أسواق الطاقة إلى تفاقم الأزمات وتكرارها. ومع ذلك، فإن بذوخ عصر التدخل الحكومي لن يكون أمراً سيئاً، إذا تمت إدارته بشكل صحيح. فإذا ما أحسنَّت الحكومات معالجة إخفاقات السوق، يصبح بإمكانها الحد من آثار تغير المناخ، وتقليل مخاطر أمن الطاقة، والمساعدة في إدارة أكبر التحديات المرتقبة.

لقد أعادت أزمة الطاقة الحالية تركيز انتباه العالم على المخاطر الجيوسياسية التي تسببها الطاقة، ما فرض المواءمة بين الطموحات المستقبلية الخاصة بالمناخ واحتياجاتنا للطاقة اليوم، وضرورة تقديم معاينة حقيقية للحقبة المقبلة. إن الكيفية التي ستستجيب بها الحكومات لهذه التحديات؛ التي جلبها الغزو الروسي لأوكرانيا؛ سوف تشكل نظام الطاقة الجديد لعقود مقبلة.

علاج أسوأ من المرض! قصة أزمات الطاقة في السبعينيات الماضية هي في جزء منها قصة تجاوز الحكومات. فحتى قبل أن تقطع ست دول خليجية؛ أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)؛ الإنتاج، وتفرض حظراً نفطياً على الولايات المتحدة والدول الأخرى التي دعمت إسرائيل خلال حرب 1973، سعت واشنطن بنشاط لإدارة أسواق النفط الأميركية.

في عام 1959، على سبيل المثال، حدَّد الرئيس دوايت أيزنهاور حصصاً على واردات النفط من أجل حماية المنتجين الأميركيين، ما سمح لهم بتحقيق نجاحات وأرباح باهرة وزيادة العرض لسنوات طويلة. لكن إجراء أيزنهاور لم يحم المستهلكين من ارتفاع التكاليف. فمع انتقال الأميركيين إلى الضواحي، وشراء منازل وسيارات أكبر، فاق استهلاك النفط العرض، وبدأت الأسعار في الارتفاع. ولإبقاء الأسعار تحت السيطرة، جرَّب الرئيس ريتشارد نيكسون عدداً من السياسات. ففي عام 1971؛ وبعدما أنهت إدارته معيار الذهب؛ فرض سلسلة من الضوابط على الأجور والأسعار، شملت النفط والغاز.

لكن هذه الإجراءات لم تؤد إلَّا إلى زيادة الطلب على النفط مع دفع العرض المحلي إلى الإنخفاض. فبحلول شتاء 1972-1973، أجبر نقص الوقود بعض المناطق التعليمية على الإغلاق، وكانت وسائل الإعلام تحذر من أزمة طاقة تلوح في الأفق. وهكذا، رضخ نيكسون في ربيع عام 1973، وألغى حصص استيراد النفط التي كان قد فرضها أيزنهاور، وحثَّ الأميركيين على الترشيد في استهلاك البنزين. ومع ذلك، بحلول شهر حزيران/يونيو، أي قبل أشهر قليلة من الحظر النفطي العربي، انتشرت الطوابير أمام محطات الوقود التي توقف أكثر من نصف عددها عن العمل.

مضى نيكسون في خيار تدخل الحكومة في أسواق الطاقة، وأثبت أن العلاج كان أسوأ من المرض. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 1973، أنشأ نيكسون برنامجاً فيدرالياً حدَّد من خلاله تخصيص البروبان وزيت التدفئة ووقود الطائرات والديزل وأنواعاً أخرى من الوقود. كان ذلك بمثابة “كارثة” ازدادت سوءاً بعدما أدى الحظر النفطي العربي إلى انتشار الذعر وطوابير البنزين في أنحاء البلاد.

نظام الطاقة العالمي كان تحت الضغط حتى قبل أن يقرر بوتين غزو أوكرانيا.. وبدون زيادة إنتاج آسيا من الفحم، ستكون أوروبا أقل قدرة على التعامل مع فقدان الغاز الروسي شهدت نهاية السبعينيات أزمة نفطية أخرى. ففي أواخر عام 1978، أدت انتفاضة شعبية في إيران إلى توقف إنتاج النفط هناك، ما تسبب في نقص في الولايات المتحدة ودول أخرى، ورفع الأسعار بشكل جنوني.

وكما حدث خلال الأزمة السابقة، فإن ضوابط الأسعار الفيدرالية والجهود المبذولة للتخصيص جعلت الأمور أسوأ بكثير. من بين الدروس المُستفادة من هذه الإخفاقات أن الإفراط في الإدارة الحكومية الجزئية لاقتصاد الطاقة يمكن أن يأتي بنتائج عكسية.

بدأ الرئيس جيمي كارتر في تحرير أسعار الطاقة، وهي العملية التي عمل الرئيس رونالد ريغان على تسريعها. فعلى مدى العقود القليلة التالية قلَّصت الحكومة؛ وبشكل تدريجي؛ دورها في اقتصاد الطاقة: ألغت حصص الاستيراد ونظام التخصيص، وأنهت ضوابط أسعار النفط والغاز، واسترشدت بإجماع من الحزبين على أن أمن الطاقة والتكاليف المنخفضة هي الأفضل. كما أن استخدامها المتزايد للعقوبات ضد الدول المنتجة للطاقة كان استثناء آخر للقاعدة العامة. العاصفة آتية إن أزمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا قد تكون الأسوأ منذ نصف قرن. وقد أجرى العديد من المحللين بالفعل مقارنات مع أزمات النفط التي شهدتها فترة السبعينيات، وثمة اختلافات مهمة.

أولاً، الاقتصاد العالمي اليوم أقل استخداماً الطاقة (النمو الاقتصادي تجاوز معدل النمو في استخدام الطاقة)، لذلك يستخدم العالم الآن طاقة أقل بكثير لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي. علاوة على ذلك، فإن عدد الشركات التي توزع النفط على مستوى العالم اليوم أكثر مما كانت كانت في أوائل السبعينيات، حيث كانت فقط حُفنة من الشركات تسيطر على معظم تجارة النفط في العالم. نتيجة لذلك، أصبحت سلاسل إمداد الطاقة الآن أكثر ديمومة. ومع ذلك، فإن أزمة الطاقة الحالية تتجاوز النفط بكثير، وبالتالي يمكن أن تؤثر على شريحة أوسع من الاقتصاد.

فمن المحتمل أيضاً أن تتعطل مصادر الطاقة بجميع أنواعها بسبب الإضطرابات، ذلك لأن روسيا ليست فقط أكبر مُصدر للنفط والمنتجات البترولية المُكررة في العالم، إنها أيضاً المُورّد المهيمن للغاز الطبيعي إلى أوروبا، ومصدر رئيسي للفحم واليورانيوم مُنخفض التخصيب المُستخدم في تشغيل المحطات النووية، ناهيك عن العديد من السلع الأخرى. ومع إقتراب أسعار الفحم والبنزين والديزل والغاز الطبيعي والسلع الأخرى من مستويات قياسية، فإن المزيد من الإضطرابات في إمدادات الطاقة الروسية؛ سواء بدأتها روسيا أو أوروبا؛ من شأنها أن تُسرّع التضخم، وتتسبب بالركود، وبالتالي تفرض تقنين الطاقة، ما قد يجبر على إغلاق الكثير من الأعمال.

كان نظام الطاقة العالمي تحت الضغط حتى قبل أن يقرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا. لقد واجهت أوروبا وأجزاء أخرى من العالم تحديات في توليد الطاقة لأن المزيد، والمزيد، من الكهرباء تأتي من مصادر متقطعة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. في الوقت نفسه، أدَّت سنوات من العائدات الضعيفة وزيادة الضغوط المناخية إلى انخفاض الإستثمار في النفط والغاز، ما جعل الإمدادات محدودة جداً. وأدَّت المشاكل التي فرضتها جائحة كورونا على سلاسل التوريد إلى تفاقم الندرة وارتفاع الأسعار.

ففي عام 2021 وأوائل عام 2022، دفعت أسعار الغاز الطبيعي المرتفعة بعض المرافق الأوروبية إلى الإفلاس وأجبرت الحكومات على دعم فواتير الطاقة.

كان من الممكن أن تكون الأمور أسوأ، لكن الطقس الذي كان دافئاً أكثر من المتوقع في أوروبا وآسيا خفَّف من الطلب على الطاقة. عندما تقرر الصين تخفيف عمليات الإغلاق أكثر، سيرتفع الطلب على النفط من جديد، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار أكثر. والشيء نفسه ينطبق على أسعار الغاز الطبيعي، التي بدورها تؤثر على أسعار الكهرباء والتدفئة منذ إندلاع الحرب في أوكرانيا، كانت أسواق الطاقة أكثر تقلباً.

فقد تشدَّدت أسواق الإئتمان، تاركة القليل من السيولة لدعم شراء وبيع النفط، وتعرض كل من العرض والطلب لصدمات كبيرة. ابتعد العديد من المشترين عن النفط الروسي، خوفاً من العقوبات. وبالفعل، تُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن روسيا أصبحت تُنتج أقل بمليون برميل يومياً من إجمالي إنتاجها، وهو وضع يمكن أن يستمر بالإنخفاض إذا تابع الاتحاد الأوروبي حظره النفط الخام والبنزين والديزل الروسي.

أدَّت التكهنات بإمكانية فرض المزيد من العقوبات في الأفق وإحجام منظمة “أوبك” عن إعادة ملء إمدادات النفط الروسية المفقودة إلى إرتفاع الأسعار بشكل جنوني. الأسوأ لم يأتِ بعد! ابتداءً من أواخر أيار/مايو، تخطى سعر تداول النفط الـ100 دولار للبرميل، ووصلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، وارتفعت تكاليف الشحن والغذاء، وقفزت أسعار الغاز الطبيعي إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2008. كما أن أسعار الغاز الطبيعي فرضت حالة طوارئ في أوروبا وأماكن أخرى من العالم.

وكانت الأسعار ستكون أعلى لولا عاملين قويين يحركان السوق مؤقتاً؛ على الأقل في الإتجاه المعاكس. فقد أدَّى الإغلاق الناجم عن جائحة كورونا في الصين إلى تراجع خطير في الطلب العالمي على الطاقة، وأطلقت الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون كميات غير مسبوقة من النفط من احتياطياتهم الإستراتيجية.

وفي الوقت الحالي، فإن الكمية المتدفقة من المخزونات الإستراتيجية هي التي تعوّض وقف الإمدادات من روسيا في الوقت الحالي.

أثار أزمة الطاقة الحالية تطال شريحة واسعة من الاقتصاد: تهدد بتعطيل مصادر الطاقة على أنواعها، تُسرّع التضخم، تنذر بالركود، وتجبر على التقنين وتهدد بإغلاق الكثير من الأعمال لكن الأسوأ لم يأت بعد. فعندما تقرر الصين تخفيف عمليات الإغلاق في البلاد أكثر، سيرتفع الطلب على النفط من جديد، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار أكثر. والشيء نفسه ينطبق على أسعار الغاز الطبيعي، التي بدورها تؤثر على أسعار الكهرباء والتدفئة.

وبرغم أن غازها استمر في التدفق إلى أوروبا، إلا أن موسكو خفَّضت مبيعاتها إلى فنلندا وبولندا وبلغاريا، وفرضت قيوداً على الصادرات عبر أوكرانيا وإلى شركة تابعة لشركة “غازبروم” استولت عليها ألمانيا، وهدَّدت بقطع الإمدادات عن كل الدول الأوروبية التي لا تدفع بالروبل. القطع الكامل لإمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا لا يزال أمراً غير مرجح، ولكنه وارد، وربما يؤدي إلى نقص وتقنين الطاقة وإغلاق الصناعات الثقيلة التي تستهلك الكثير من الطاقة.

أي عقوبات إضافية سيكون لها آثار من الدرجة الثانية والثالثة على نظام الطاقة العالمي. وبالفعل، فإن الاضطرابات في أسواق الغاز الطبيعي المُسال، والتي تتدفق بشكل متزايد نحو أوروبا بسبب ارتفاع الأسعار هناك، جعلت آسيا تبحث عن مصادر بديلة للطاقة. لقد فاز الفحم، وهو بديل للغاز الطبيعي، كما أنه متوفر ورخيص نسبياً .

ودول أخرى عزَّزت إنتاج الفحم وسط مخاوف متزايدة من نقص الطاقة العالمية، وهذا خفَّف بعض الضغط عن أسواق الغاز العالمية. وبدون زيادة إنتاج آسيا من الفحم، ستكون أوروبا أقل قدرة على التعامل مع فقدان الغاز الروسي. لكن الاعتماد الأكبر على الفحم دفع سعره إلى مستويات قياسية أيضاً، تاركاً البلدان ذات الدخل المنخفض؛ مثل الهند وباكستان؛ تكافح من أجل تلبية احتياجاتها من الطاقة في خضم موجات الحر المميتة.

كما أدَّى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، المستخدم في إنتاج الأسمدة، إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي كانت أسعارها ترتفع بالفعل بسبب الاضطرابات التي طالت الصادرات الزراعية الروسية والأوكرانية. (*) النص بالإنكليزية على موقع “الفورين أفيرز“. إعداد: جيسون بوردوف (المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية في كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا.

شغل منصب المساعد الخاص للرئيس باراك أوباما والمدير الأول للطاقة وتغير المناخ في مجلس الأمن القومي)، وميغان إل أوسوليفان (أستاذة في كلية هارفارد كينيدي، ومؤلفة كتاب: “ضريبة غير متوقعة: كيف تقلب وفرة الطاقة الجديدة السياسة العالمية وتعزز قوة أميريكا”. شغلت منصب المساعد الخاص للرئيس جورج دبليو بوش، ونائب مستشار الأمن القومي للعراق وأفغانستان).

منى فرح- 180 بوست

اقرأ ايضاً:قصاصة شريط لاصق فجرت فضيحة “ووترغيت” المدوية

قد يعجبك ايضا