التقارب الأميركي التركي في الشَّمَال السوري: تحدِّيَاتُ، تهديدات.. وفُرَص

- الإعلانات -

التقارب الأميركي التركي في الشَّمَال السوري: تحدِّيَاتُ، تهديدات.. وفُرَص

ما يحدثُ في منطقة الجزيرة السورية وشمال العراق من متوالية أحداث سياسية وعسكرية، يجعل الحدثَ الإقليمي أكثر “لا يقينيةً” وغموضاً، إذ تجري أمور من الصعب توقعها أو تدبير استجابات مناسبة حيالها، مثل أن “يتحول الموقف” بين الولايات المتحدة وتركيا، تنافراً، لكن من دون قطيعة، وتقارباً، لكن من دون توافق تام. ومن ذلك أيضاً، أن يُظهر الكرد “تفهماً” و”قبولاً” متردداً للتفاهمات والخطوات الأمريكية حيال تركيا في شمال سورية والعراق.

ويُبدون استعداداً متزايداً وغير مسبوق لـ”التوافق” مع الأخيرة على “ضبط” عوامل التوتر بينهما. وتنسيق الموقف من مناطق سيطرة تركيا والجماعات الموالية لها في شمال وشمال غرب سورية.

وأن يُظهر كرد العراق المزيد من “التوافق” مع أمريكا وتركيا في المواقف حيال الدولة المركزية في بغداد، وبالطبع حيال طهران ودمشق.

ولكن تركيا والولايات المتحدة لا تلعبان بمفردهما، إذ ثمة سورية الرافضة للتدخل التركي والأمريكي، وكذلك حليفا سورية الرئيسين روسيا وإيران، بالإضافة إلى الكرد والعرب في شرق الفرات الرافضين للتدخل التركي، ووجود فواعل وجماعات وقوى مسلحة من لبنان والعراق وغيرهما (بإشراف الحرس الثوري الإيراني) في منطقة “خط الفرات”، وبعض مناطق الحدود بين سورية والعراق.

والعراق نفسه الذي يشهد انقساماً حاداً نسبياً حيال التدخلات الأمريكية والتركية في شؤونه، وكان أَجْهَض – منذ بعض الوقت – محاولة الانفصال الكردية في الشمال[1]، ولا يزال يعاني من تجاذبات حادة مع أربيل. تنطلق الورقة من أن التوافق الأمريكي-التركي على “ضبط” و”إدارة” الموقف في منطقة الجزيرة السورية، والمزيد من التورط العسكري التركي في شمال العراق، والحضور الإسرائيلي متزايد التأثير في مناطق سيطرة “قسد” في الجزيرة السورية، ومناطق الإقليم الكردي في شمال العراق؛ يمثل أحد التحديات الحَرِجَة لسورية والعراق، وبالطبع إيران، وهذا ما يستدعي أو يستثير “استجابات متناسبة” حياله، الأمر الذي يهدد المنطقة بالمزيد من التوتر والانفجار.

ويحيل الموقف في الشمال إلى محاولات تركية وأمريكية (وإسرائيلية)، كل بحسب أولوياته، لإحداث تغييرات في السيطرة والجغرافيا والاستقطاب والتحالفات وموازين القوى، ومن ذلك مثلاً محاولة “فتح الأبواب” بين مناطق سيطرة “قسد”، بإشراف أمريكي، ومناطق جبهة النصرة، بإشراف تركي؛ والدفع لاتفاق بين “قسد” و”المجلس الوطني الكردي” السوري الموالي لتركيا، وبين “قسد” والإقليم الكردي شمال العراق المتحالف مع أمريكا وتركيا، ويمثل قاعدة استهداف إسرائيلية ضد إيران.

وقد يجري كل ذلك – بالنسبة لتركيا – في أفق سياسات بعيدة المدى، لضبط الموقف في منطقة الجزيرة السورية، بـ”تفكيك” أو “احتواء” الكيانية فيها، وإن لم يكن، فتهيئة (وتكييف) الظروف لجعل الوضع القائم في منطقة الجزيرة، غير معاد لتركيا، وذلك على غرار الإقليم الكردي في شمال العراق، بالتوازي مع اقتطاع أجزاء أخرى من الجغرافيا السورية لصالح تركيا و/أو الجماعات الموالية لها، إن أمكنها ذلك.

فضلاً عن الاعتداءات التركية المتكررة في شمال العراق، وتعزيز القواعد العسكرية التركية هناك، والتهيئة لبقاء مديد فيها[2]. وان ذلك التحدي يتطلب استجابة مركبة وعاجلة ونافذة – ما أمكن – من قبل سورية والعراق والفواعل الأخرى المتضررة. إذا ما استمر التفاهم بين الولايات المتحدة وتركيا حول محاولة إقامة “منطقة آمنة” أو “منطقة عازلة” على الحدود في الشمال السوري، فمن المحتمل أن تقوم تركيا بتوسيع تدخلها العسكري واحتلال أو تهديد المزيد الجغرافيا في مناطق حدودية من ثلاث محافظات سورية هي: الحسكة والرقة وحلب

أولاً- الوضع في الشمال/شرق الفرات تُمثِّلُ منطقة الجزيرة حيزاً تتجاذبه تفاعلات ومنافسات وتدخلات بين فواعل رئيسة: الولايات المتحدة التي تقيم قواعد عسكرية، وتسيطر على مناطق النفط، وتعزز الكيانية التي أعلنتها “قسد” في المنطقة. وتركيا التي تسيطر على قسم كبير نسبياً من مناطق الحدود، وتهدد بالهجوم على مناطق سيطرة “قسد”، وتفكيك الإدارة الذاتية، وتهدد إمدادات المياه والكهرباء، وتستهدف بصورة متكررة قيادات وقواعد “قسد”، بالهجمات المباشرة أو من خلال الجماعات المسلحة السورية التابعة لها.

و”الإدارة الذاتية” المعلنة من جانب واحد، وذراعها العسكرية “قسد”، والصحيح هو العكس، أي أن “الذراع العسكري” هي التي أقامت “الإدارة الذاتية”، وتسيطر على مناطق الجزيرة، وتعمل على تشكيل بنى “سلطة بديلة”، وتقيم علاقات وتفاعلات مع الخارج، برعاية أمريكية.

والدولة المركزية في دمشق، وهي موجودة في البنى والمؤسسات الخدمية، فيما تقتصر السيطرة الأمنية على مناطق أو أحياء في مدينة القامشلي والمطار الذي توجد فيه قوات روسية أيضاً، ومدينة الحسكة وبعض أطراف الرقة، ومدينة دير الزور وبعض أطرافها. فضلاً عن نقاط انتشار مختلفة للجيش السوري في عدد من خطوط الانتقال والطرق والمعابر الرئيسة. وثمة قوات إيرانية أو قوات تعمل بإشراف “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني” مثل تشكيلات “فاطميون” و”زينبيون” و”الحشد الشعبي” العراقي في مناطق الحدود ومناطق خط الفرات.

وجماعات “داعش” التي تنشط في مناطق مختلفة من منطقة الجزيرة، لكن تمركزها في مناطق بين خط الفرات ومنطقة “التنف” التي تقيم أمريكا قاعدة عسكرية فيها. وأثار إعلان الرئيس الأمريكي (انذاك) دونالد ترامب عن الانسحاب العسكري من شرق الفرات، والتفاهم مع تركيا بشأن “إدارة المناطق” التي يتم الانسحاب منها، موجة تقديرات ومواقف عن الخطوة التالية في تلك المنطقة، وما إذا كان سوف يعقبها: اتفاق بين دمشق وكردها يفضي إلى عودة سلطة الدولة إلى مناطق سيطرة “قوات سورية الديمقراطية”. أم أن الولايات المتحدة سوف تفرض على الكرد القبول باتفاقها مع تركيا حول إقامة “منطقة آمنة”؟

[3] لكن أمريكا لم تغادر شرق الفرات، بل عملت على زيادة وجودها العسكري، وتمكين سيطرتها على المنطقة، مباشرة أو من خلال “قسد”. وما حدث فعلياً هو اتفاق جزئي بين دمشق وكردها لانتشار قوات سورية في بعض المناطق، ولم تلتزم “قسد” بإكمال ذلك، بل عادت إلى “التضييق” و”الابتزاز” ضد دمشق. وحدث تدخُّل أمريكي بين “قسد” وتركيا لضبط ايقاع التوترات بين الطرفين، في ظل علاقات وتفاعلات اقتصادية وأمنية وإمدادات النفط وحركة الأشخاص والبضائع وغيرها بين مناطق سيطرة “قسد” ومناطق سيطرة تركيا، بل بين مناطق سيطرة “قسد” وتركيا نفسها، التي لم تنقطع الحركة بينها. ولا يغير من ذلك كثيراً وجود توترات واستهدافات عسكرية بين الأطراف المذكورة، إذ ان ما يجري ليس اتفاقات نهائية، وهو محكوم برهانات وتداخلات كثيرة يحاول الأمريكي إدارتها وضبط تطوراتها، بين حليفيه الرئيسين (“قسد”، تركيا)، بكيفية تحقق رهاناته الكبرى في المنطقة.

ثانياً- أي تهديد في الشمال؟ إذا ما استمر التفاهم بين الولايات المتحدة وتركيا حول محاولة إقامة “منطقة آمنة” أو “منطقة عازلة” على الحدود في الشمال السوري، فمن المحتمل أن تقوم تركيا بتوسيع تدخلها العسكري واحتلال أو تهديد المزيد الجغرافيا في مناطق حدودية من ثلاث محافظات سورية هي: الحسكة والرقة وحلب. وكانت تركيا أعلنت أنها بصدد إقامة “منطقة عازلة” بعمق 30 كم داخل الأراضي السورية[4]،

على طول خط الحدود بين سورية وتركيا، وعلى جانبي خط الفرات: “شرق الفرات”، المعروف بأنه دائرة عمل وتحرك القوات الأمريكية، و”غرب الفرات” المعروف بانه دائرة عمل وتحرك القوات الروسية. ودخلت تركيا –من أجل ذلك- في مداولات مع أمريكا بشأن التدخل العسكري في شرق الفرات، ومع روسيا بصدد الاعتداء والتدخل العسكري في غرب الفرات. ولكنها لم تحصل على موافقة (كارت بلانش)، أو أنها حصلت على موافقات مشروطة، وغير نهائية! ان التدخل التركي في شمال سورية وشرق الفرات، حتى لو كان محدوداً، يهدد بـ: خسارة الدولة السورية المزيد من الجغرافيا والسكان والموارد، لا قبل لها بتحملها. “تثبيت” ما جرى في مناطق “درع الفرات” و”نبع السلام”، وإدلب وعفرين من سيطرة و”تتريك”.

يفتتح فصلاً جديداً في التدخلات والأطماع والاقتطاع الجغرافي من قبل تركيا. ثم ان الهدف ليس خلق “مناطق عازلة” أمنية وعسكرية فحسب، وإنما “كيانيات خاصة” أو “انفصالية” أو “شبه انفصالية” أيضاً، بل وخلق “بنى سلطة بديلة” للنظام السياسي والدولة في دمشق. ان الهدف الرئيس أو العميق للولايات المتحدة هو إبقاء سورية في حالة أزمة، و”احتواء” أو “إعاقة” عودتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مكانةً وقوةً ودوراً، من ثم إعاقة إيران وكسر “محور المقاومة”.

هذا الهدف يتطلب مد تركيا بعوامل قوة إضافية لتكون قادرة على “احتواء” سياسات إيران ورهاناتها الكبرى ان وجود “سلطة هجينة” في منطقة الجزيرة توالي تركيا أو/و أمريكا، بمشاركة فواعل كردية وعربية ومرتزقة من المنطقة المذكورة وغيرها، يمكن أن يعقبه تكوين تنظيمات وقوات وأذرع مسلحة يكون هدفها السيطرة على الجغرافيا السورية ككل، ومنها إلى استهداف حلفائها، بما فيهم إيران وروسيا؛ ولهذا منعكسات بالغة الخطورة على العراق، الذي يشهد واقعاً كردياً انفصالياً، مع عوامل تدخل خارجية، أمريكية وإسرائيلية وتركية وغيرها؛ وهو واقع معقد، ولا يبدو أنه قابل للحل أو التسوية في الظروف الراهنة.

ثالثاً- موقف الولايات المتحدة تحاول الولايات المتحدة إبقاء شرق الفرات خارج سيطرة الدولة السورية، والمحافظة المديدة والعميقة على الكيانية الكردية في شمال العراق، بحيث تكون الأوضاع في شمال شرق سورية وشمال العراق، ذريعة للبقاء في المنطقة ككل، وجعلها “قاعدة” أو “حيز” انطلاق لاستهدافات عسكرية وأمنية وسياسية فيها، متى أرادت؛ كما تحاول: ضبط التوتر وموازنة الموقف بين حليفيها الرئيسين: تركيا والكرد.

ويمكن للولايات المتحدة أن تدفع بهما لـ”التوافق” على ترتيبات ما على الحدود. جذب تركيا إليها في إطار الصراع الأمريكي الروسي في المنطقة والعالم. احتواء أي مشروعات مطروحة أو محتملة للتوافق بين “قسد” والدولة المركزية في دمشق، وإن الرهان على الأمريكي يدفع “قسد” لرفع سقوف المطالب، بل وحصار المؤسسات الحكومة، وابتزاز دمشق، الأمر الذي يُجهض أي محاولات للحوار بقصد التوصل إلى حل/تسوية بين دمشق وكردها.

تعزيز عوامل بقاء الكيانية الكردية في شمال العراق، وضبط التوترات القائمة والمحتملة بينها وبين الدولة المركزية في بغداد، وثمة مخاوف متزايدة في العراق من تمركز “الموساد” الإسرائيلية في الإقليم. خلط الأوراق في المشهد السوري والإقليمي (والعالمي)، و”احتواء” سياسات “الوصل” الجغرافي والاستراتيجي بين سورية والعراق وإيران.

وفي هذا الإطار، يأتي الحديث عن مداولات وتجاذبات أمريكية وتركية عن “استثناء” مناطق سيطرة “قسد” وإدلب من إجراءات “قانون قيصر”[5]، والدفع لحوار واتفاق بين “قسد” و”المجلس الوطني الكردي”[6]، ومطلب تركيا تنظيم وتعزيز ديناميات الاتصال والتبادل وحركة الاشخاص والبضائع والنفط بين مناطق السيطرة الأمريكية شرق سورية والتركية شمال غرب سورية.

بل والدفع باتفاق بين “قسد” وتركيا. ان الهدف الرئيس أو العميق للولايات المتحدة هو إبقاء سورية في حالة أزمة، و”احتواء” أو “إعاقة” عودتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مكانةً وقوةً ودوراً، من ثم إعاقة إيران وكسر “محور المقاومة”.

هذا الهدف يتطلب مد تركيا بعوامل قوة إضافية لتكون قادرة على “احتواء” سياسات إيران ورهاناتها الكبرى في سورية والعراق ومنطقة غرب اسيا. لكن هذا يطرح أيضاً مخاوف لدى الولايات المتحدة بشأن تركيا نفسها من احتمال أن تشهد تحولات أو مراجعات تجعل منها مصدر تهديد لـ أمريكا وإسرائيل، ولو أن ذلك احتمال ضعيف.

وهكذا فإن التقارب الأمريكي-التركي ومشروع “المنطقة الآمنة” يمكن أن يمثل “مَخْرَجَاً” مُؤَقَّتَاً لتجاذبات تركيا وأمريكا والكرد، لكنه يمثل منطلقاً لاحتمالات بالغة الخطورة.

رابعاً- موقف تركيا يمثل التفاهم التركي-الأمريكي حول شرق الفرات، مناسبة لتحقيق هدف أردوغان الملازم للأزمة السورية، وهو إقامة “منطقة آمنة” على الجانب السوري من الحدود، تقول تركيا إنها سوف تتولاها، ابتداء ثم توسعياً لتشمل منطقة الجزيرة أو ما أمكن منها، وبعد ذلك تهيئة الظروف لإعادة اللاجئين[7]، بالتوازي مع إعلان أردوغان عن أن “إعادة إعمار” المنطقة سوف تقوم به شركات تركية[8].

حيث تريد تركيا من ذلك: “احتواء” الاندفاعة الكردية في شرق الفرات، ومنع تأثيرها على كرد تركيا. “احتواء” عودة سورية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، قوة ومكانةً ودوراً إقليمياً. “احتواء” رهانات وتطلعات إيران وروسيا في الإقليم من خلال سورية، وهما “خصمان تاريخيان” لتركيا، كما هو معروف. تستفيد تركيا من التجاذبات بين روسيا وأمريكا وسباقهما لكسبها، بقدر أكبر من المكاسب وقدر أقل من الخسائر لها.

يمثل التدخل فرصة سانحة لتحقيق الأطماع التركية في الجغرافيا السورية، سواء بالضم المباشر أو إقامة كيانية موالية لها، يمكن أن تضمها إليها في وقت لاحق. من المناسب التدقيق في تطورات رئيسة: إقامة تركيا تشكيلات سورية مسلحة موالية لها، وتمكينها من السيطرة على مناطق شمال حلب ومناطق “شرق الفرات”، وعدم السماح لـ”جبهة النصرة” بالتمدد هناك. تمكين تركيا “جبهة النصرة” من السيطرة على أكثر منطقة إدلب، خلافاً لالتزاماتها المتكررة في عملية أستانة، بما في ذلك من تداعيات ورسائل موجهة إلى سورية وروسيا وإيران، من إمكان أن تنقلب تركيا على تفاهمات أستانة، وتعمل على تغيير المشهد في حلب وعموم الشمال السوري وحتى ريف اللاذقية الشمالي. الثاني هو تأييد “أبو محمد الجولاني” زعيم “جبهة النصرة” لتدخل تركيا في “شرق الفرات”.

قول تركيا انها سوف تعيد إعمار المنطقة، وتهيئها لعودة اللاجئين السوريين إليها[9]! لكن التطور الأهم يتمثل بالدفع نحو اتفاق بين “قسد” و”المجلس الوطني الكردي”[10]، والأخير موال لتركيا، ومحاولة الربط بين منطقتي السيطرة الأمريكية والتركية، في مظلة تفاهم تركي أمريكي[11]. هذا يعزز الواقع التركي والجهادي في إدلب، ويجعل أمريكا أكثر التزاماً بدعم خطط ورهانات تركيا هناك، وخاصة أن تركيا سوف تربط موقفها من “قسد” بموقف أمريكا من إدلب.

ويمكن القول ان تركيا ليست رافضة أو معادية بالتمام لـ إنشاء كيانية في شرق الفرات، تكون على غرار الإقليم الكردي شمال العراق، أي “غير معادية” لتركيا، ومرتبطة اقتصادياً واستراتيجياً بها. فإذا أمكن لـ “الإدارة الكردية” في منطقة الجزيرة أن تلتزم بما تلتزم به “الإدارة الكردية” في شمال العراق، فذلك لا يمثل تهديداً لتركيا، بل يمثل فرصة[12]. تبدو إيران في “موقف حرج” نسبياً أمام تركيا، وذلك لسببين رئيسين: الأول هو عدم رغبتها بالمواجهة معها، وهي التي تمثل نافذة لها على العالم في ظل عقوبات أمريكية خانقة ضدها؛ والثاني هو عدم رغبتها الضغط على تركيا بما يمكن أن يدفع الأخيرة للخروج من عملية أستانة وتفاهماتها. وهكذا تُفضِّل إيران تَدَبُّر سُبل أقل حدة حيال تركيا

خامساً- موقف روسيا وإيران تحاول روسيا وإيران “احتواء” التدخل التركي والأمريكي في منطقة الجزيرة، من خلال تشجيعهما الكرد على التواصل مع دمشق، وبهدف التوصل إلى اتفاق بينهما يفضي إلى “سد الذرائع” أمام تركيا ومنعها التدخل. ويمكن أن تقوم الدولتان، روسيا بصورة أساسية، بدور الضامن لأي اتفاق محتمل، لكنهما لا تملكان قوة تأثير متكافئة على الطرفين، ومن ثم فمن المفترض أنهما أقرب للتأثير على دمشق التي “لا تثق كثيراً” بما يقوله أو يقدمه الكرد، وخاصة أنها خَبِرَتهم في مداولات وجولات تفاوض مختلفة، كما أنهما لا تملكان قوة تأثير مكافئة لتأثير الولايات المتحدة على “قسد”، ولو أن لإيران قوة تأثير أكبر نسبياً حيال الإقليم الكردي في شمال العراق.

وكانت من عوامل إحباط المحاولة الانفصالية/استفتاء الانفصال في العام[13]. روسيا تحاول روسيا التدخل من أجل “تقليص” النطاق الجغرافي وحتى الرمزية السياسية لما تحاوله تركيا، بحيث يكون “منطقة عازلة” أو “شريط عازل” بدلاً من “منطقة آمنة” وفق المنظور التركي، وأن تكون القوات السورية على خط الحدود، فيما ترفض تركيا ذلك، ولو أن الأخيرة أظهرت مرونة نسبية، حيال إحلال قوات سورية في مناطق الحدود بدلاً من “قسد”، بعد أن كانت ترفض أو تتحفظ على ذلك[14].

تبدو روسيا “مترددة” في الضغط على تركيا، التي تبدو أيضاً أقل استعدادا لتلقي ملاحظاتها أو الاستجابة لضغوطها، وخاصة أن لديها بديل أقرب إليها وهو الولايات المتحدة. وسبقت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وروسيا “تتنافسان” على جذب تركيا. ولو أن روسيا تعزز وجودها العسكري في مطار القامشلي ومناطق أخرى، كما تُسيِّر دوريات مشترك مع تركيا في عدد من مناطق الحدود ونقاط التماس بين مناطق سيطرة “قسد” ومناطق سيطرة والميليشيات الموالية لتركيا[15]. وتعزز وجودها العسكري المشترك مع الجيش السوري في مناطق الشمال[16].

إيران كما تبدو إيران في “موقف حرج” نسبياً أمام تركيا، وذلك لسببين رئيسين: الأول هو عدم رغبتها بالمواجهة معها، وهي التي تمثل نافذة لها على العالم في ظل عقوبات أمريكية خانقة ضدها؛ والثاني هو عدم رغبتها الضغط على تركيا بما يمكن أن يدفع الأخيرة للخروج من عملية أستانة وتفاهماتها. وهكذا تُفضِّل إيران تَدَبُّر سُبل أقل حدة حيال تركيا. ولو أنها أعلنت رفضها لأي عملية عسكرية/اعتداء تركي في شمال وشمال شرق سورية، بذريعة “قسد”[17].

سادساً- موقف الكرد تعيش “الإدارة الذاتية” في شرق الفرات مأزقاً وجودياً بمعنى الكلمة، ذلك أن مشروعها وكيانيتها وأحلامها، تحت تهديد تركي مستمر، في ظل مخاوف متزايدة لديها من “تخلٍّ” أمريكي وشيك أو محتمل عنها، بعدما أطلق الأمريكيون إشارات متناقضة حول علاقتهم بها. هو مأزق مركب إذ: تبدو خيارات الكرد كلها سيئة تقريباً، لكنهم لا يزالوا يراهنون على الولايات المتحدة، ولم يغيروا من ذلك، حتى مع تفضيل الأخيرة لعلاقاتها مع تركيا على حسابهم[18]. ثمة إلى ذلك مأزق التقديرات الخاطئة لديهم، إذ على الرغم من أن “درس عفرين” ودروس ما يسمى عملية “نبع السلام” وغيرها ماثل أمامهم، إلا أنه على ما يبدو بلا فائدة تقريباً، فهم يريدون الحماية من الدولة السورية لكن من دون مقابل سياسي تقريباً، حتى التعهدات التي يقدمونها للدولة لا يبدو أنهم قادرون على الالتزام بها.

ويريدون انتزاع مكاسب وتنازلات منها تحت تهديد اللحظة، ويُوسِّطُون روسيا بالأمر، لكنهم مع ذلك قد “لا يتلقون نصائحها” أو أنها “لا تمون” عليهم كثيراً عليهم.

فيما يقول الكرد إن السلطات السورية لا تتعاطى معهم بجدية، وأنها غير مستعدة لتقديم “عرض مناسب” لهم. يمكن للولايات المتحدة أن تدفع الكرد لـ”التوافق” مع تركيا، ثمة مؤشرات متزايدة على ذلك. وقد أعلنوا في السابق موافقة مشروطة على إقامة “منطقة آمنة”، على أن تكون بـ”ضمانات دولية”! وهاهم اليوم – كما سبقت الإشارة- أكثر تقبلاً لعروض أمريكية وتركية بشأن العلاقة مع “المجلس الوطني الكردي” –الموالي لتركيا- ومناطق سيطرة تركيا والميليشيات الموالية لها في شمال سورية، وخاصة في ريف حلب ومنطقة إدلب.

سابعاً- موقف سورية والعراق فاضلت دمشق – لبعض الوقت – بين تحديين رئيسين متبقيين هما: إدلب وشرق الفرات، مع الشعور المتزايد – وربما المتسرع نسبياً- بأن الأزمة أصبحت قاب قوسين أو أدنى من نهايتها السعيدة، لكن الأمور راوحت في مكانها، ثم أخذت تزداد خطورةً، وخاصة مع تعديل واشنطن لاستراتيجيتها المعلنة تجاه سورية، وتأكيدها أنها سوف تبقى فيها لمواجهة طهران ودمشق، و”ضبط” الموقف في بغداد، ثم تغيير النمط بالتوافق مع تركيا لإدارة الملف في شرق الفرات أو منطقة الجزيرة، وشمال العراق.

الوضع في إدلب لا يقل خطورة، إذ تقف التفاهمات بين روسيا وإيران من جهة وتركيا من جهة أخرى حائلاً دون استعادة السيطرة على إدلب، ذلك أن تركيا تقف على جانبي تحالفات واستقطابات ومساومات في الأزمة السورية، و”تكسب” من المراوحة بين الولايات المتحدة في شرق الفرات، و”تكسب” من روسيا (وإيران) في إدلب.

الأمر الذي يجعل سورية أمام “تحديات ولودة” بالفعل، وتهدد بتطورات “نكوصية” بالغة الخطورة، ما لم يتم التعاطي معها وإدارتها بالسرعة والفعالية المطلوبة! وفيما تمثل “الإدارة الكردية” في شمال العراق منوالاً لـ”الإدارة الذاتية” في منطقة الجزيرة السورية، فإن العراق أمام إكراهات وتحديات متزايدة، ذلك أن الموقف بين بغداد وكردها، “ينوس” بين أقصصيين لا يزالان بعيدين: الأول، هو الحل/التسوية، ودونه صعوبات كثيرة، ويبدو أقرب لمزاولة المستحيل. والثاني، هو الانفصال، ويبدو أقرب للإمكان، ولو أن ذلك ينطوي على مخاطر انفجار نزاعات وحروب تتجاوز الموقف بين بغداد وأربيل، إلى داخل المجال الكردي نفسه من جهة، وإلى مستوى الإقليم. ومن الصعب فهم الموقف من دون أخذ العوامل الإقليمية والدولية – وخاصة أمريكا وإسرائيل – بالاعتبار، ومثل ذلك العوامل الداخلية المتمثلة بالانقسامية الحادة نسبياً داخل العراق نفسه على كل ما يتصل بالداخل والخارج، بما في الموضوع الكردي! وهذا باب فيه كلام كثير.

يشكل المجال الكردي في سورية والعراق حيز تغلغل واختراق إقليمي ودولي، وخاصة أمريكا وإسرائيل، وبالأخص تركيا؛ وحيز نزاع داخلي، في كل من البلدين، تتجاوز تأثيراته حدود كل منهما إلى الإقليم والعالم.

ولكن احتواء التحديات القائمة والمحتملة بخصوص الكرد، يتطلب سياسات عميقة وبعيدة المدى، و”تسويات تاريخية”، تحفظ للكرد حقوقهم وتستجيب لهواجسهم وتطلعاتهم مخاطر مركبة تزداد التدخلات الأمريكية والتركية حدة وخطورة، مع شعور الدولتين أن سورية والعراق تعانيان “إجهاداً” كبيراً بعد سنوات من الحرب وعدم الاستقرار، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، وأن حليفي سورية مثلاً، أي إيران وروسيا، محكومين برهانات وتقديرات تجعلهما أقل اندفاعاً حيالها، وهي قد لا تستطيع مباشرة أهدافها بمفردها في مواجهة الولايات المتحدة وتركيا[19]، وحلفائهما الموجودين هناك مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما.

فيما يبدو العراق مجهداً بواقع وتداعيات الاحتلال والحروب والنزاعات، ولعل الأهم هو الانقسامية السياسية الحادة نسبياً، حيال ما يمثل تهديداً-فرصة، وما يمثل حليفاً-عدواً، ذلك أن حليف أحد الأطراف هو عدو أطراف أخرى، والعكس. تواجه سورية والعراق اليوم مخاطر وتحديات من عدة جهات وعلى عدة مستويات: تركيا المستفيدة من اقترابها من أمريكا. والتي تحتل مناطق واسعة من سورية، فيما تقيم تمركزاً مديداً في مناطق شمال العراق، بذريعة محاربة “حزب العمال الكردستاني” التركي. إيران “المُحرجَة” نسبياً عن اتخاذ موقف ضد تركيا. روسيا المترددة بسبب عدم الرغبة بإزعاج تركيا.

ولو أنها تمارس ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة عليها لثنيها عن عملية عسكرية أو احتواء أو ضبط الاندفاعة التركية، وذلك من خلال التواصل مع تركيا للبحث في بدائل وضمانات، وإن لم يكن، فبرسم حدود وخطوط التدخل العسكري، وغير مباشر من خلال تعزيز وجودها العسكري المباشر في مناطق شرق الفرات ومناطق الحدود مع تركيا، والأهم هو الدفع للتنسيق بين “قسد” ودمشق.

الكرد في سورية والعراق، “الُمبتزّين”، والذين لا يترددون في اتخاذ مواقف حادة حيال دمشق وبغداد، ويرتدون عن “تفاهماتهم” معهما، كلٌ حسب البلد والحال، ارتباطاً بالموقف الأمريكي أساساً. أمريكا التي لا تريد مغادرة سورية والعراق، أو أنها تريد خلق “بدائل” قبل ذلك، وقد تمركزت في مواقع قريبة، على جانبي الحدود بين العراق وسورية.

لأهداف منها: “احتواء” الوصل الجغرافي والاستراتيجي بين سورية والعراق وإيران، وعدم حلفائها في شمال العراق ومنطقة الجزيرة السورية، وإدارة الموقف مع تنظيم “داعش”. التهديد يمثل التقارب الأمريكي التركي تهديداً، بمعنى: أنه يعطي تركيا إمكانية التدخل في شرق الفرات وشمال العراق، ويجعلها أقرب للولايات المتحدة، أو في وضع “المفاوض المتطلب” و”القوي” تجاه روسيا وإيران والعراق وسورية. قد تميل روسيا وإيران للاستجابة لمطالب تركيا أكبر مما كانتا في السابق، وهذا قد ينسحب على الموقف في إدلب.

وكذلك الأمر بالنسبة لإيران في العراق، وذلك من باب التقليل من اندفاعته (تركيا) نحو الولايات المتحدة. تحاول تركيا أن تقيم أوضاعاً وتخلق بنى واستعدادات كيانية أو شبه انفصالية، ترتبط بأطماع جغرافية في سورية، وكذلك الأمر بالنسبة لـ إعداد بيئة وجود عسكري واستراتيجي دائم أو شبه دائم في مناطق في شمال العراق (كما تتكرر الإشارة).

الفرصة يمثل التقارب بين تركيا والولايات المتحدة حيال شرق الفرات أو منطقة الجزيرة السورية وشمال العراق فرصة أيضاً، إذ يمكن أن: “يُباعِدُ” إلى حد ما بين كرد سورية ـ او بعض تيارات وفواعل الإدارة الذاتية ـ والولايات المتحدة، و”يُخفِّفُ” من رهانهم عليها، ولو أن من الصعب أن “يقطع” بينهما، هذا على افتراض قراءة عقلانية واستراتيجية للموقف من قبل الكرد. “يعزز” التقارب بين دمشق وكردها، ويجعله خياراً لا بد منه، ويدفعهما للتوصل إلى اتفاق كان ما يزال متعذراً، لأسباب عديدة.

ويبدو أن السلطات السورية أكثر انفتاحاً تجاه المطالب الكردية. يساعد العراق، بحكم الترابط المصلحي والاستراتيجي مع أمريكا، عل ضبط الاندفاعة التركية في الشمال، ولو أن هذا أمر أقل احتمالاً، ويتطلب وجود قابلية نشطة للعمل من قبل العراق نفسه. يعزز ديناميات الاستجابة المعاكسة لدى العراق والفواعل المتضررة مثل: إيران وسورية، وبعض الفواعل الكردية المعارضة في أربيل والإدارة الذاتية، لاحتواء أي أضرار محتملة جراء ذلك.

وقد يعزز ديناميات تنسيق أعمق وأوسع نطاقاً. يدفع روسيا وإيران لمراجعة تقديراتهما تجاه تركيا وتفاهماتهما معها، الأمر الذي يُفترض أن يدفعهما أيضاً لمراجعة الموقف حيال مطلب أو مسعى دمشق لاستعادة السيطرة على إدلب والأراضي التي تسيطر عليها تركيا والميليشيات الموالية لها. ان التوافق الراهن بين تركيا والولايات المتحدة لا يعني تفكيك التوترات القائمة والعقد الكامنة بينهما، ومن المحتمل أن يتغير المشهد بينهما، في حال شهدت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة تقارباً أيضاً، وهذا احتمال قد يكون بعيداً، في ظل الاحتدام القائم بينهما في أوكرانيا[20]، أو على الأقل ضبطاً للتوترات بينهما حيال سورية وغيرها من القضايا العالقة بينهما.

ثامناً- الإشارات والتنبيهات أو أي استجابات ممكنة؟ يتطلب الموقفُ العملَ على دراسة الاستجابات الممكنة من قبل دمشق وبغداد وحلفاء كل منهما، حسب البلد والحال، تتمثل بـ: تحذير تركيا من ان توسيع التدخل العسكري في منطقة الجزيرة السورية وريف حلب، يمكن أن تكون له تبعات خطيرة على أمنها ومصالحها، وخاصة إذا اتجهت الأمور إلى مواجهة مباشرة. العمل لدى روسيا وإيران للضغط العاجل والنافذ – ما أمكن – على الموقف الأمريكي والتركي لـ”ردعهما” عن القيام بما من شأنه أن يخلق واقعاً ميدانياً يهدد وحدة واستقلال الأراضي السورية.

العمل على جذب الكرد –إن امكن ذلك – إلى اتفاق مع دمشق بما يجعل الدفاع عنهم ممكناً، وتأجيل البحث في بعض النقاط الخلافية لمرحلة لاحقة، وسوف يكونوا عندئذٍ قوة سياسية وعسكرية مضافة للدولة والجيش السوريين. سوف يمثل الاتفاق بين دمشق وكردها، في حال حدوثه، “سداً للذرائع” أمام المزيد من التدخل العسكري التركي في منطقة الجزيرة وريف حلب. لا بد أن يكون “درسُ عفرين” والدروس الأخرى ماثلة أمام الكرد، ومنها درس الاستفتاء بالنسبة لكرد العراق، لجهة الأثمان المهولة التي يمكن أن يدفعوها، والتداعيات المهولة أيضاً على سورية والعراق خاصة، وعلى المنطقة عامة. وأن تكون الدروس ماثلة، هذا يعني: التركيز على “ما يمثل أصلاً” في “مصادر التهديد”، وهو تركيا وأطماعها الجغرافية و”عداواتها المتأصلة” للكرد وللسوريين والعراقيين عموماً، ورهاناتها للسيطرة عليهم.

التعاطي العاجل والجاد مع التهديد التركي، والتعاون بين دمشق والكرد لتدبر السبل المناسبة لاحتوائه. اتخاذ السلطات السورية إجراءات لـ”احتواء” الكرد أو بالأحرى “استقطابهم”، ما أمكن، إلى جانب الدولة وذلك من خلال: التدخل لدى عرب شرق الفرات، وخاصة المكون العربي في “الإدارة الذاتية” و”قوات سورية الديمقراطية”، لمحاولة التأثير الإيجابي على القرار الكردي. التدخل –إن أمكن- لدى القيادات الرئيسة لحزب العمال الكردستاني في “جبال قنديل”. الطلب من روسيا وإيران التدخل لدى القيادات الكردية، نظراً لعلاقاتهما المباشرة معها، وتأثيرهما عليها.

أن تُقْدِم السلطات السورية والعراقية على إقامة تفاهمات (وتقديم التزامات) مع الكرد، واتخاذ إجراءات عملية وسياساتية تستجيب تدريجياً وعلى المدى الطويل لمطالب الكرد، ما أمكن منها، مع إمكانية “إعادة الحوار” أو “إعادة تأويل” أو “إعادة تشكيل” تلك التفاهمات، و”مراجعة” الإجراءات والسياسات حسب تطورات الأمور، و”موضعة” كل ذلك في سياق “إعادة البناء” الاقتصادي والسياسي والتنموي والقانوني والتشريعي الخ في سورية والعراق.

التنسيق بين العراق وسورية، والفواعل الأخرى، من أجل محاربة الإرهاب واحتواء تنظيم “داعش”. التنسيق، ما أمكن، بين العراق وسورية، لـ”احتواء” تموضع إسرائيل في مناطق الكرد لديهما، بكل تأثيراته القائمة والمحتملة على الأمن الوطني لكل منهما. وإذ تتداخل سياسات ورهانات إسرائيل مع سياسات ورهانات أمريكا وتركيا في المنطقة. وإذ تتجه “الإدارة الذاتية” وحلفائها لتعزيز الكيانية الانفصالية في منطقة الجزيرة، فإن ديناميات ودوافع وتطلعات الانفصال الكردي في شمال العراق لا تزال ماثلة، ثمة ما هو أبعد من ذلك، وهو إمكان الدخول في مواجهات عسكرية على “المناطق المتنازع عليها” بين أربيل وبغداد.

خلاصة يشكل المجال الكردي في سورية والعراق حيز تغلغل واختراق إقليمي ودولي، وخاصة أمريكا وإسرائيل، وبالأخص تركيا؛ وحيز نزاع داخلي، في كل من البلدين، تتجاوز تأثيراته حدود كل منهما إلى الإقليم والعالم. ولكن احتواء التحديات القائمة والمحتملة بخصوص الكرد، يتطلب سياسات عميقة وبعيدة المدى، و”تسويات تاريخية”، تحفظ للكرد حقوقهم وتستجيب لهواجسهم وتطلعاتهم، إنما في أفق دول ومجتمعات تعددية وامنة ومستقرة، وتعاون إقليمي واسع النطاق. ولعل أهم استجابة بهذا الخصوص هي “توسيع الأفق”، والركون إلى بداهات التاريخ والسياسة، إن امكن التعبير، والتوافق على: من هو العدو، ومن هو الصديق؟ والتحرر من إكراهات التدخلات الخارجية، وتحرير السياسة من العقد والمدارك النمطية الخ هذه مهمة لا شك ثقيلة ومعقدة، ولكنها ممكنة!

190 بوست-عقيل سعيد محفوض

اقرأ ايضاً:منها سوريا.. الأمم المتحدة تحذر الدول المطلة على البحر المتوسط من تسونامي مدمر

 

قد يعجبك ايضا