الانتصار الأكبر منذ ماريوبول.. ماذا بعد أن سيطرت روسيا على سيفيرودونيتسك بالكامل؟

- الإعلانات -

انسحاب القوات الأوكرانية من سيفيرودونيتسك وسقوط المدينة بالكامل تحت سيطرة روسيا يمثل انتصاراً هو الأكبر لموسكو منذ السيطرة على ماريوبول، فهل بدأت مرحلة النهاية للحرب؟

وسيفيرودونيتسك هي مدينة صغيرة في منطقة لوغانسك كانت تمثل هدفاً استراتيجياً للقوات الروسية الساعية إلى حسم سيطرة المقاتلين المدعومين من موسكو على إقليم دونباس بالكامل، ويتردد اسم المدينة في تغطية الهجوم الروسي على أوكرانيا، الذي بدأ يوم 24 فبراير/شباط، وتصفه موسكو بأنه “عملية عسكرية خاصة” بينما يصفه الغرب بأنه “غزو”.

والسبت 25 يونيو/حزيران، قالت روسيا وأوكرانيا إن القوات الروسية سيطرت بالكامل على مدينة سيفيرودونيتسك، في أكبر انتكاسة لكييف بساحة المعركة منذ ما يزيد على شهر، وفي أعقاب واحدة من أكثر المعارك دموية في الحرب، بحسب رويترز.

ما أهمية سيفيرودونيتسك؟

وصفت أوكرانيا انسحابها من المدينة بأنه “انسحاب تكتيكي”؛ حتى تقاتل من أراضٍ مرتفعة في ليسيتشانسك على الضفة المقابلة لنهر سيفرسكي دونيتس. وقال الانفصاليون الموالون لروسيا إن قوات موسكو تهاجم الآن ليسيتشانسك.

ويعد سقوط سيفيرودونيتسك أكبر انتصار لروسيا منذ سيطرتها على ميناء ماريوبول الشهر الماضي. ويمثل ذلك تحولاً في ساحة المعركة بشرق أوكرانيا بعد أسابيع لم يسفر خلالها تفوق العتاد الروسي إلا عن مكاسب محدودة.

وتأمل روسيا الآن مواصلة الضغط والسيطرة على مزيد من الأراضي بالضفة المقابلة، بينما تأمل أوكرانيا أن يجعل الثمن، الذي دفعته موسكو للاستيلاء على المدينة المدمرة، القوات الروسية عرضة لهجوم مضاد في الأسابيع المقبلة.

وقال رئيس بلدية سيفيرودونيتسك في التلفزيون الأوكراني: “المدينة الآن تحت الاحتلال الكامل لروسيا. إنهم يحاولون إقامة نظامهم الخاص. وعلى حد علمي، عينوا نوعاً من القادة”.

وقال كيريلو بودانوف رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية، لـ”رويترز”، إن أوكرانيا تنفذ “عملية تكتيكية لإعادة تنظيم الصفوف” بسحب قواتها من سيفيرودونيتسك إلى مناطق مرتفعة على الضفة المقابلة للنهر.

وأضاف: “روسيا تستخدم التكتيك الذي استخدمته في ماريوبول: محو المدينة من على وجه الأرض… في ظل هذه الظروف، لم يعد تمركز الدفاع في الأنقاض والحقول المفتوحة ممكناً. لذا تتجه القوات الأوكرانية إلى مناطق مرتفعة؛ لمواصلة عمليات الدفاع”.

وقالت وزارة الدفاع الروسية: “نتيجة للعمليات الهجومية الناجحة”، بسطت القوات الروسية سيطرتها الكاملة على سيفيرودونيتسك وبلدة بوريفسكي القريبة منها.

وخلال الفترة الماضية، شهدت سيفيرودونيتسك، حيث كان يعيش نحو 100 ألف شخص، قتالاً مريراً في الشوارع وفرَّ معظم سكانها وتحولت إلى مدينة أشباح. ويعني الاستيلاء على المدينة أن روسيا تسيطر الآن على كل منطقة لوغانسك تقريباً وجزء كبير من دونيتسك المجاورة، بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC.

وتمثل منطقتا لوغانسك ودونيتسك معاً إقليم دونباس، وكان اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستقلالهما قبل الهجوم بثلاثة أيام- رغم إعلانهما الاستقلال عام 2014- إيذاناً بأن الحرب باتت وشيكة بالفعل. إذ إن المقاتلين المدعومين من روسيا كانوا يسيطرون فقط على ثلث أراضي إقليم دونباس بينما يسيطر الأوكرانيون على الثلثين، وكانت قوات الطرفين متواجهة على طول خط التماس، الذي فرضته اتفاقيات مينسك عام 2015.

الانتصار الأكبر منذ ماريوبول، لماذا؟

يشبه الخبراء العسكريون والمحللون السياسيون معركة سيفيرودونيتسك بمعركة ماريوبول، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين المدينتين، إذ إن ماريوبول واحدة من كبرى المدن الأوكرانية وهي مدينة ساحلية استراتيجية وكان يقطنها أكثر من مليون شخص، بينما سيفيرودونيتسك مدينة صغيرة ضمن إقليم دونباس وكان يسكنها نحو 100 ألف شخص.

لكن أوجه الشبه بين المدينتين تتمثل في الأهمية الاستراتيجية، إذ إن السيطرة على ماريوبول قد مكَّنت روسيا من إحكام سيطرتها بالكامل على جميع السواحل الأوكرانية، بينما السيطرة على سيفيرودونيتسك تفتح الباب على مصراعيه أمام إكمال سيطرة روسيا والقوات الانفصالية التي تدعمها على إقليم دونباس، وهو ما يعني عملياً نهاية الحرب بصورة كبيرة.

كما أن هناك وجهاً آخر للشبه وهو وجود مجمع صناعي مثَّل آخر المعاقل التي تحصنت بها القوات الأوكرانية قبل إعلان الاستسلام أو الانسحاب الكامل.

ففي ماريوبول، وبعد أن سيطرت القوات الروسية بالكامل على المدينة، تحصنت ميليشيات أوكرانية بمجمع آزوفستال للصلب وسط حصار روسي محكم، لتتحول المعركة والحصار إلى حجر الزاوية في تلك المعركة.

والأمر نفسه تكرر في مدينة سيفيرودونيتسك، حيث تمترست القوات الأوكرانية في مجمع آزوت للصناعات الكيماوية، بينما حاصرت القوات الروسية المجمع الصناعي بالكامل أيضاً. لكن الفوارق الكبيرة بين المجمعين الصناعيين، وأبرزها المساحة الأصغر في آزوت وعدم وجود أنفاق ومخابئ تحت الأرض مقارنة بآزوفستال، جعلت مهمة المدافعين في سيفيرودونيتسك أكثر صعوبة، وبالتالي انتهت الأمور سريعاً وفي ظرف أيام فقط، وليس أسابيع أو أشهراً كما كان يأمل الغرب.

إذ كانت التقارير الغربية تصر على أن القوات الروسية لم تكمل بعدُ تطويق القوات الأوكرانية، التي كانت تلحق بهم “خسائر كبيرة”. فالحرب في أوكرانيا قد دخلت مرحلة استنزاف وحشية خلال الأسابيع القليلة الماضية، حيث ركزت القوات الروسية قوتها المدفعية الساحقة على الأجزاء التي تسيطر عليها نظيرتها الأوكرانية من دونباس.

وقالت المخابرات العسكرية البريطانية الثلاثاء 21 يونيو/حزيران، إن القوات الأوكرانية استخدمت بنجاح، الأسبوع الماضي، لأول مرة، صواريخ هاربون المضادة للسفن التي تبرع بها الغرب للاشتباك مع القوات الروسية.

كان الهجوم الروسي على أوكرانيا قد بدأ كاسحاً ومنتشراً في جميع الأراضي الأوكرانية، وتم فرض حصار على العاصمة كييف وجميع المدن الكبرى، تحت غطاء كثيف من الضربات الجوية الصاروخية وباستخدام الطائرات المقاتلة، وتمكنت روسيا من فرض سيطرة شبه كاملة على الأجواء الأوكرانية بعد أن دمرت البنية العسكرية الرئيسية للجيش الأوكراني.

وبعد مرور أقل من شهرين من بدء العمليات العسكرية، أعلنت موسكو انتهاء المرحلة الأولى من الهجوم وبدأت في سحب قواتها من الغرب الأوكراني، ومن مشارف كييف وغرب نهر دنيبرو بصفة عامة. وأعلنت روسيا تركيز عملياتها العسكرية في شرق أوكرانيا، وقال بوتين يوم 9 مايو/أيار الماضي، في خطابه بمناسبة احتفالات النصر على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، إن الهدف الآن هو “تحرير” إقليم دونباس بالكامل، فهل اقتربت الحرب من نهايتها إذاً؟

ماذا تعني هذه الهزيمة بالنسبة لأوكرانيا؟

خلال إقراره بالانتصار الذي حققته القوات الروسية، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خطاب مصور، إن بلاده ستستعيد جميع المدن التي استطاعت روسيا احتلالها، وضمن ذلك سيفيرودونيتسك.

لكن تلك الكلمات الحماسية والنبرة المتحدِّية من جانب زيلينسكي ربما لا تقابلها الحماسة نفسها من القادة الغربيين، المجتمعين بألمانيا في قمة مجموعة السبع، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها العالم.

إذ كان للحرب تأثير هائل على الاقتصاد العالمي والترتيبات الأمنية الأوروبية، فقد أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز والنفط والغذاء، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده الشديد على الطاقة الروسية، كما دفع فنلندا والسويد إلى السعي للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ومن المتوقع أن يقدم قادة دول مجموعة السبع دعماً طويل المدى لأوكرانيا، ويبحثوا عن كيفية تضييق الخناق على روسيا، في قمة تبدأ غداً الأحد وتستمر ثلاثة أيام.

لكن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، قال السبت، إنه يخشى أن تواجه أوكرانيا ضغوطاً للموافقة على اتفاق سلام مع روسيا لا يصب في مصلحتها، بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب في أوروبا.

وأضاف جونسون لمحطات إذاعية في العاصمة الرواندية كيجالي، في أثناء مشاركته بقمة مجموعة دول الكومنولث: “تقول دول كثيرة إن هذه حرب أوروبية غير ضرورية… وبالتالي فإن الضغط سيزداد لتشجيع- وربما إجبار- الأوكرانيين على (قبول) سلام سيئ”.

تصريحات جونسون في هذا التوقيت تعيد مرة أخرى الحديث عن اقتراحات كان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، قد أثارها خلال الأسابيع الماضية، بشأن موافقة أوكرانيا في نهاية المطاف، على التنازل عن أقاليمها الشرقية (شبه جزيرة القرم ودونباس) لصالح روسيا، فهل يضطر الغرب إلى الموافقة على ذلك السيناريو في نهاية المطاف؟

إذ قال مسؤولون أوكرانيون إنه مع دخول أكبر صراع بري في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية شهره الخامس، أمطرت القوات الروسية أيضاً أنحاء بغرب وشمال وجنوب أوكرانيا بالصواريخ.

وقال ميخايلو بودولياك مستشار الرئيس الأوكراني، على تويتر: “48 صاروخ كروز. في الليل. في أنحاء أوكرانيا كلها! لا تزال روسيا تحاول ترهيب أوكرانيا وإثارة الذعر وتخويف الناس”، بحسب رويترز.

وقال مكسيم كوزيتسكي حاكم منطقة لفيف بغرب أوكرانيا، في تسجيل مصور نُشر على الإنترنت، إن ستة صواريخ أُطلقت من البحر الأسود على قاعدة يافوريف بالقرب من الحدود مع بولندا، أصابت أربعة منها الهدف بينما دُمر اثنان.

وقال فيتالي بونيتشكو حاكم منطقة جيتومير في شمال البلاد، إن ضربات على هدف عسكري قتلت جندياً واحداً على الأقل. وفي الجنوب، قال أولكسندر سينكيفيتش رئيس بلدية ميكولايف الواقعة بالقرب من البحر الأسود، إن خمسة صواريخ كروز أصابت المدينة ومناطق مجاورة، السبت.

الخلاصة هنا هي أن سيطرة الروس على سيفيرودونيتسك تفتح الباب أمام ضغوط غربية على أوكرانيا للقبول بشروط تعتبر انتصاراً كبيراً لبوتين على الأرجح، على الرغم من محاولات تكبيد القوات الروسية أكبر قدر ممكن من الخسائر.

اقرأ أيضا: صحيفة : القوات الروسية انسحبت من تل رفعت و تتموضع بمحيط المدينة

قد يعجبك ايضا