أليس فيكم اقتصادي – وكالة عربي اليوم الإخبارية

- الإعلانات -

أليس فيكم اقتصادي

طبقت مجموعة من الدول الأوروبية نظام الدوام لأربعة أيام فقط في الأسبوع، وبحسب ما كُتب عن التجربة، يتبين أنها نجحت بشكل كبير، وانعكس يوم العطلة الإضافي على أداء العاملين بشكل إيجابي بحسب مؤشرات القياس التي استخدموها.

الهدف المعلن للتجربة كان زيادة تواصل العامل مع أسرته، وإعطاءه المزيد من الراحة لينتج أكثر خلال أيام الدوام، لكن بالتأكيد، إن الهدف الحقيقي، أو على الأقل أحد الأهداف غير المعلنة هو الاقتصاد قدر الإمكان في استهلاك الطاقة، تحسباً لما قد يحصل في حال تفاقمت أزمة النفط والغاز بسبب الحرب في أوكرانيا.

مَن الأحوج إلى تطبيق هذه التجربة أو ما يشبهها؟ الدول الأوروبية أم نحن الذين نعاني منذ سنوات من قلة الموارد وشح المحروقات وقلة المواصلات وارتفاع أسعار المشتقات النفطية بكل أنواعها؟

وإن عدنا إلى الخلف قليلاً، إلى أيام الحجر الصحي الذي فرضته الدولة في بداية أزمة كورونا وامتد لأكثر من ثلاثة أشهر. ثلاثة أشهر توقفت فيها أغلبية الوزارات والمؤسسات والدوائر عن العمل، ما الذي حصل؟ هل انهارت المؤسسات؟ هل استدانت الدولة؟ لا لم يحصل هذا، واستمرت الأمور كما كانت قبل الحجر تقريباً، فما الذي يمنع من القيام بتجربة مماثلة في الوقت الحالي؟

وإن رفعنا (دوز) الصراحة كما يقال وسألنا: كم ساعات العمل الحقيقية من أصل ساعات الدوام الثماني لموظفي الدولة في أغلب القطاعات؟ هل تتجاوز الساعة الواحدة إن طرحنا منها وقت شرب القهوة والشاي والمتة والزيارات بين الأقسام والشرود في الجدران ولعب (السوليتير) على أجهزة الكمبيوتر والهروب من العمل؟

كان من المفترض أن تستفيد الحكومة من تجربة الحجر، وأن تكون قد حددت القطاعات التي يستطيع العاملون فيها من متابعة أعمالهم عبر الشبكة من منازلهم، وكان من المفترض أيضاً أن تفطن الوزارات وقتها إلى ضرورة إعداد قوائم معلومات وجداول للأعداد الحقيقية اللازمة لتسيير الأمور في حال اضطررنا إلى حجر جديد أو تعرضنا لظرف ما.

ولو فرضنا أنهم بالفعل قاموا بما سبق، فما الذي يمنع من تطبيقه الآن ونحن بأمس الحاجة لكل ليتر مازوت وبنزين ولكل دقيقة كهرباء؟ أيهما أفضل، أن تتوقف الحكومة عن تزويد (السرافيس) بالمازوت أيام الجمعة والسبت والتسبب بأزمة نقل فوق الأزمة الموجودة، أم أن تخفض ساعات العمل الرسمي وتحوّل وفر الطاقة والمشتقات النفطية إلى ما هو أهم حالياً؟

والأمر لا يتعلق بالنقل فقط، بل يتجاوزه إلى الأسواق التي ترتفع الأسعار فيها كلما ازدادت أسعار المحروقات، وهي تزداد الآن، إذ من الطبيعي أنه كلما شحّت الكهرباء، ازدادت الحاجة إلى المولدات التي تحتاج لكميات كبيرة من المازوت، وكلما شحت كميات المازوت، يزداد سعرها في السوق السوداء، وسيتم تعويض هذا الارتفاع من جيوب الناس.

وماذا عن المنازل التي بدأت الثلاجات فيها تتحول إلى (نمليات) وبدأ موسم رمي الأطعمة في القمامة بسبب ساعات انقطاع التيار الكهربائي الطويلة والطويلة جداً؟ أليست أحق بكهرباء الكثير من المؤسسات غير الإنتاجية؟

في مثل هذا الجو الحار، عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من أجهزة التكييف تعمل يومياً من الثامنة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر في كل مؤسسات الدولة، وآلاف باصات المبيت وسيارات الخدمة تتحرك صباحاً وظهراً، وتستهلك مئات آلاف الليترات من البنزين والمازوت لإيصال الموظفين من بيوتهم إلى أماكن العمل وبالعكس، لو تم توفير نصف هذه الكميات فقط، هل ستضطر الحكومة لإيقاف توزيع المازوت على (السرافيس) وربما قريباً البنزين على السيارات؟ ماذا لو تأخرت التوريدات النفطية أكثر؟ ماذا لو تكررت القرصنة الأمريكية على ناقلات النفط المتوجهة إلى سورية؟ هل سيكون الحل بإيقاف توزيع المازوت لأربعة أيام بدلاً من يومين، أم توفير ملايين الليترات ومئات الميغات التي أستطيع أن أقول بلا تأنيب ضمير إنها تذهب هدراً في أغلب المؤسسات الحكومية؟

أما السؤال الذي أخجل من طرحه فهو: هل يعقل أنه لم يخطر هذا الحل ببال أحد؟ أم إنه خطر، لكن برستيج الدوام والمكاتب والمواكب أهم من استمرار الحياة في بلد كامل؟

فراس القاضي

الوطن

اقرأ أيضا: بعد زيادة أسعار الكهرباء والفيول .. مؤسسة الإسمنت تدرس التكاليف وتلمح لزيادة جديدة في الأسعار

قد يعجبك ايضا