الوساطة الإيرانيّة بين دمشق وأنقرة: بين الواقع الصّعب والآفاق الممكنة

- الإعلانات -

الوساطة الإيرانيّة بين دمشق وأنقرة: بين الواقع الصّعب والآفاق الممكنة

جو غانم

بعد تصعيد إعلاميّ تركيّ حادّ، تمحوَر حول عملية عسكرية “ضروريّة وحتمية” في الشمال والشرق السوريين، تخلّله تصريحات متلاحقة صدرت عن مختلف مستويات القيادات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التركية، دخلت أنقرة في صمت مطبق حول هذا الموضوع لمدة تتجاوز أسبوعين، استغلّهما الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في افتتاح “البازار” مع واشنطن، إذ كانت الأخيرة أعلنت رفضها انطلاق عملية عسكرية تركية شاملة في منطقة الشمال السوري، انطلاقاً من مخاوف تتعلّق بمصالحها ومصالح حلفائها المحليّين والدوليّين.

لكنّ إردوغان، الذي يبرع جيّداً في إدارة عمليات الابتزاز بكل أنواعها ومستوياتها، وضع مسألة موافقة أنقرة على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” على الطاولة أمام الأميركيين، مدركاً حاجة إدارة الرئيس جو بايدن لكلّ جهد دوليّ ممكن لمحاصرة روسيا في المنطقة والعالم، ليتمكّن في النهاية من انتزاع موافقة أميركية على عملية عسكرية محدودة في المناطق المتاخمة لنقاط انتشار الجيش العربي السوريّ، أي في المناطق التي تنشط فيها القوات الجويّة الروسية، بهدف إشغال موسكو والتضييق عليها في ساحة مهمّة من ساحات المواجهة معها، وزيادة الضغط العسكريّ والاقتصاديّ على دمشق والرئيس السوري بشار الأسد من جهة أخرى، ليعود إردوغان في بداية تموز/يوليو الجاري إلى الحديث عن حتمية حصول هذه العملية وضرورتها للأمن القومي التركيّ، معتبراً أنها ستجري في الوقت المناسب، من دون تحديد موعد معين، وهو تصريح يُعتبر بحدّ ذاته إيذاناً بفتح “السوق” الإردوغانيّ أمام مستوى جديد من الابتزاز والمقايضات المغلّفة بالتهديدات الجدّية.

في هذا الوقت، كان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان يُنهي زيارة قام بها إلى أنقرة واستمرّت أيّاماً، التقى خلالها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، ختمها بتصريحٍ أمّن فرصة عظيمة للإعلام الذي يمتهن اللعب في مساحات الالتباس والاصطياد بالماء العكر، إذ تحدّث عبد اللهيان عن “تفهّم بلاده هواجس أنقرة الأمنية في سوريا”، وهو الحديث الذي فسّره البعض بأنّه موافقة إيرانية على العملية العسكرية التركية المفترضة.

لكن عبد اللهيان عاد وأوضح موقف طهران من هذا الموضوع، من خلال تصريحات أطلقها قبل قدومه إلى دمشق في الثاني من هذا الشهر، وتحدث عن رفض طهران “أيّ إجراء عسكريّ تركي في الشمال السوريّ، لأنّه يزعزع استقرار المنطقة”، وأعلن بعد ذلك أهم أهداف جولته بين العاصمتين الجارتين، وقال إنّ جزءاً من زيارته إلى دمشق “يهدف إلى إحلال السلام والأمن في المنطقة بين سوريا وتركيا”.

وقد أتى هذا التصريح الذي أطلقه وزير الخارجية الإيراني قبل مغادرته طهران متّجهاً إلى دمشق كإعلان رسميّ عن وجود وساطة إيرانية لتقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة، تمهيداً للوصول إلى ما هو أبعد من ذلك في العلاقات بين البلدين، وذلك بعد أكثر من 11 عاماً من حالة العداء المستحكم بينهما، وخصوصاً بعد وضوح الأطماع التركية في الأراضي السورية، وانخراط أنقرة في مشروع تدمير سوريا وتفتيتها، ثم احتلالها أراضي سوريّة، ودعمها ورعايتها مجموعات وفصائل مسلّحة إرهابية تُقاتل الجيش العربي السوريّ، وتسعى إلى إسقاط الدولة في سوريا.

إنّ الحديث عن وساطة إيرانية بين دمشق وأنقرة هو أمرٌ طبيعيّ ومتوقّع، رغم حالة الاصطدام الواقعة على الأرض السورية، والتي بلغت حدّ الاشتباك العسكريّ المباشر في بعض الحالات، وخصوصاً في معركة “سراقب” في الريف الإدلبي في شهر شباط/فبراير 2020، حيث وقعت مواجهة ضارية بين الجيش العربي السوري والمقاومين في حزب الله وقوات رديفة درّبها الحلفاء الإيرانيون من جهة، والجيش التركي والفصائل المسلحة التي ترعاها أنقرة من جهة أخرى، انتهت باتفاق هدنة بعد اجتماع عاجل في أستانة.

على الرغم من هذا كلّه، فإنّ علاقات طهران مع أنقرة هي علاقات استراتيجية ومهمّة للطرفين، وبالتالي لا مصلحة إيرانية أو تركية في الاشتباك أو التصعيد أو الانحدار بالعلاقة الثنائية، الأمر الذي عبّر عنه عبد اللهيان حين تحدث عن مصلحة البلدين (سوريا وتركيا) في إرساء الأمن والاستقرار بينهما، لما فيه مصلحتهما معاً ومصلحة المنطقة، وأنّ طهران تسعى بجدية إلى تقريب وجهات النظر ومعرفة هواجس البلدين، والعمل على الوصول إلى حالة من الاطمئنان الأمني بينهما، والانطلاق نحو إجراء لقاءات ثنائية لتسوية المشاكل وتفعيل العلاقات.

وهذه ليست المرة الأولى التي تبذل فيها طهران جهوداً على هذا الصعيد، لكنّ الجديد هنا هو الإعلان الإيراني لهذه الوساطة على الملأ، وبهذا الوضوح، فيما جرت كل المحاولات السابقة في الكواليس وبعيداً عن الإعلام والإعلان.

والجدير بذكره هنا، أنّ موسكو انخرطت أيضاً في مساعٍ مماثلة على مدى السنوات الثلاث الماضية على وجه الخصوص. وقد أثمرت تلك الجهود الإيرانية والروسية حصول لقاءات أمنية سورية – تركيّة غير مرة، لكنّ المستوى السياسي بقي مقفلاً على هذا الصعيد، نظراً إلى انعدام الثقة السورية بإردوغان وفريقه، قياساً بمستوى الغدر الذي تلقّته دمشق من صديقها السابق الذي تحوّل إلى عدوّ من دون مقدّمات أو موجبات، كذلك نظراً إلى رؤية الرئيس التركي القائمة على إمكانية استغلال الظروف السياسية والعسكرية للمضيّ قدماً في تحقيق أطماعه ومشاريعه على حساب سوريا ودول المنطقة العربية.

هذا كلّه يقودنا إلى استنتاج أنّ المساعي الإيرانية تجري بالتنسيق مع موسكو، في محاولة إيرانية – روسيّة لمواجهة حالة الحشد السياسيّ والعسكريّ التي تعمل عليها واشنطن في المنطقة هذه الفترة، إذ عادت الأخيرة بقوة إلى النشاط في منطقة الشرق الأوسط، بعد حالة من الانكفاء والارتباك استمرت أكثر من عام ونصف العام.

ويمكن القول هنا إنّ سعي طهران وموسكو إلى إحداث تسوية مع أنقرة تحفظ لها أمنها القومي في ما يتعلّق بالنشاط الكرديّ في شمالي سوريا وشرقها، وتقطع الطريق على الخطر التركي المحدق بوحدة سوريا، هو بدوره شكل من أشكال الحشد الروسيّ – الإيرانيّ السوري (محور المقاومة) لمواجهة واشنطن ومشاريعها المستجدة في المنطقة، وإزاحة العامل التركي في المواجهة المرتقبة بين المحورين، وهذا يفسّر الترحيب السوريّ الأخير بالمساعي الإيرانية، الذي صدر عن دمشق أثناء زيارة وزير الخارجية الإيرانيّ، والذي عبّر عنه عبد اللهيان حين أعلن أنّه لمس “انفتاحاً سوريّاً وتركيّاً” على حلّ القضايا الشائكة بين البلدين بالوسائل السياسيّة.

ولكي تكتمل الصورة، فإنّ طهران -كحال موسكو- وسّعت مروحة نشاطها على هذا الصعيد، وبدأت بلقاءات مع قيادات “قسد” في الشرق السوريّ، تصبّ في مصلحة الخطّة الإيرانية الروسية للوصول إلى التسوية المنشودة مع تركيا، إذ تعرض طهران وموسكو تسليم “قسد” مواقعها في الشمال السوريّ لقوات الجيش العربيّ السوريّ، لقطع الطريق على أيّ عملية عسكرية تركية، لكنّ “قسد” تصرّ حتى اللحظة على رفض تسليم بعض المواقع المهمة في ريف حلب خصوصاً، فيما تعرض إدخال قوات سورية إلى مناطق الاشتباك، على أن تبقى السيطرة العسكرية والإدارية لتلك البلدات في يد الكرد، وهو أمرٌ ترفضه دمشق بشكل تام، كما ترفضه طهران وموسكو.

تقوم المساعي الإيرانية على هدف الوصول إلى إعادة العمل بـ”اتفاق أضنة” الموقّع بين الدولتين السورية والتركية، والذي يضمن فيه الجانبان منع أيّ اعتداء على طرفي الحدود، الأمر الذي يعني إبعاد الفصائل الكردية عن الحدود السورية – التركية، وسيطرة الجيش العربي السوريّ بشكل كامل على خط الحدود.

كما يعني قبل ذلك بالضرورة، إعادة تفعيل العمل السياسيّ البينيّ بين البلدين الجارين، وصولاً إلى إعادة العلاقات السياسية، وهو أمر بعيد المنال حاليّاً، إذ تحول دونه معوقات كثيرة، أهمها المشاكل التي تواجه إردوغان في الداخل، والتي تتعلّق بحلّ مشكلة اللاجئين السوريين الذين تغصّ بهم البلاد، والذين يرى الرئيس التركيّ أنّ عمليته العسكريّة المنشودة تلك قد تؤمّن له الخلاص من هذه المشكلة التي تحوّلت إلى ورقة في يد المعارضة التركية على أبواب الانتخابات الرئاسية، فهو يعتقد بإمكان إعادتهم إلى “المنطقة الآمنة” المزمع إحداثها على الشريط الحدودي، وتوطينهم في المناطق التي يسيطر عليها الكرد، ليضرب أكثر من عصفورٍ بحجرٍ واحد.

من جهة أخرى، إنّ واشنطن العائدة بنشاطٍ جديد إلى المنطقة، والتي تسيطر على قرار “قسد” بشكل كامل، لن تسمح للكرد بالمضيّ في هذه الخطة. وقد اتضح هذا غير مرّة في الآونة الأخيرة، من خلال نكث قيادات “قسد” بتعهّداتهم بتسليم بعض المواقع للجيش السوريّ، بضغط أميركيّ.

أضف إلى ذلك أنّ أيّ تسوية سوريّة – تركية تجري برعاية إيرانية روسيّة، يجب أنْ تجد حلّاً لعشرات الآلاف من المقاتلين المصنّفين إرهابيّاً لدى دمشق وموسكو وطهران، والموجودين في إدلب تحت الرعاية التركيّة المباشرة، مع التأكيد هنا أنّ أكبر تلك الفصائل وأقواها، وهي “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة) التي يقودها أبو محمّد الجولاني، تحظى بعلاقة ممتازة مع الأميركيين، إذ تسوّق لها واشنطن، بسعي تركيّ، على أنها “المعارضة السورية المعتدلة”.

كما يجري تقويتها عسكريّاً على الأرض، من خلالها دفعها تركيّاً وأميركيّاً للقضاء على جميع الفصائل والمجموعات التي لا تثق بها واشنطن، ودعمها في احتلال المواقع التي تسيطر عليها تلك الفصائل في الريف الحلبي، ووضعها في مواجهة الجيش السوري وحلفائه، وهو ما حدث في الآونة الأخيرة في المناطق المقابلة لمنطقتي منبج وتلّ رفعت الاستراتيجيّتين، وهذا كلّه يُصعّب أيّ تسوية ممكنة بين دمشق وأنقرة في المدى المنظور على الأقلّ.

تريد واشنطن لعملية عسكريّة تركية محدودة أنْ تحدث، على أنْ تبقى في نطاق الريف الحلبيّ، حيث السوريون والروس والإيرانيون، ولا بأس من التضحية ببعض الكرد في سبيل محاصرة الروس وإشغالهم على وجه الخصوص.

وهنا تحديداً تكمن المساحة التي يمكن لطهران وموسكو العمل عليها مع دمشق وأنقرة لقطع الطريق على المشروع الأميركيّ، لكنّ تلك المساحة تحتاج إلى الثقة بإردوغان أوّلاً، وهو ما لا يمكن التعويل عليه، إلّا إذا وجد الأخير مصلحة كبرى له في مقايضةٍ تضمن له التخلّص من الكرد في هذه المنطقة، إلى جانب التخلّص من أعداد من اللاجئين، مع بقاء الوضع في إدلب وريفها على ما هو عليه الآن حتى إشعار آخر.

تفيد المعطيات والمعلومات بلقاءات إيرانية – تركية ستُجرى في الأيام والأسابيع القليلة القادمة، وباحتمال حصول لقاءات إيرانية – تركية – روسيّة على أعلى مستوى في الفترة القريبة.

وقد تحدّثت صحيفة “فرهيختكان” الإيرانية، الأحد الماضي، عن قرب استضافة طهران قمّة رئاسية ثلاثية تجمع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بالرئيسين التركيّ رجب طيب إردوغان والروسيّ فلاديمير بوتين، وأنّ القضية السورية ستكون موضوع القمّة الرئيسيّ، لكنّ ما يجب عدم إغفاله على هذا الصعيد أنّ هذه المساعي قد تكون فرصة أخيرة لتلافي اشتعال كلّ الساحات في الاشتباك الكبير الذي يستعد له الجميع، والمتوقّع حصوله قريباً في المنطقة، أو على الأقلّ إيجاد صيغة مناسبة لربط النزاع مع الأتراك إلى حين، وأنّ دمشق وحلفاءها مستعدّون لكلّ الاحتمالات، حيث الحشود العسكرية السورية والحليفة على امتداد الجبهات في الشمال والشرق، وخصوصاً على جبهة الريفين الحلبيّ والإدلبيّ.

وينبغي أنْ نُذكّر هنا أنّ 50 ألفاً من القوات العسكرية الرديفة للجيش العربيّ السوريّ، والتي جرى تسليحها وتدريبها إيرانيّاً، احتشدت في وضعية القتال قبل أكثر من أسبوعين من الآن على الجبهة الحلبية المقابلة للقوات التركية والفصائل الموالية لها، أي أنّ الجبهة الدبلوماسية التي افتتحتها طهران في الأيام الأخيرة، والتي يقودها حسين أمير عبد اللهيان، هي الخطّ البارد الموازي تماماً لخطّ حارّ جدّاً، يمسك به جنرالات يتقنون فنّ الحرب فقط، ويستعدّون لها كأنّها ستحدث غداً.

الميادين

قد يعجبك ايضا