لماذا سكَّ ملك الإنجليز كلمة التوحيد على عُملته قبل ألف عام؟

- الإعلانات -

في منتصف القرن التاسع عشر، سمع العالم لأول مرة عن دينار ذهبي بريطاني حمل على جانبيه عبارات التوحيد والإيمان بالله وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أن تاريخ سك الدينار المُكتشف في روما يعود إلى ما قبل ذلك الوقت بألف عام على الأقل، فإنه لم ينل شهرته إلا مع صدور التقرير الذي أعدَّه الباحث في علم المسكوكات “أدريان لو نجبيرير” وأرسله إلى جمعية هواة جمع المسكوكات والقلائد والأوراق المالية في بريطانيا عام 1841.

وفقا للتقرير، يعود تاريخ الدينار المذكور إلى عصر ملك إنجليزي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، أي قبل 1200 عام، هو الملك “أوفَّا رِكس”، أحد أقوى الملوك الأنجلوساكسون الذين وحَّدوا إمارات الجزيرة البريطانية المتصارعة تحت جناح مملكته “مِرسيا (Mercia)” بعد جهد جهيد وحروب مُدمِّرة. فمن يكون “أوفَّا رِكس”؟ ولماذا سكَّ دينارا ذهبيا وأضاف إليه عبارات التوحيد ونزع منه الصليب الذي ميَّز جميع النقود اللاتينية والأوروبية آنذاك؟ وهل بلغ تأثير الإسلام بريطانيا في ذلك التاريخ؟ وكيف كانت علاقة هذا الملك بالمسلمين؟ وهل تعني هذه العُملة الذهبية أن ملك إنجلترا أسلم حينئذ؟ ذلك ما سنقف معه في سطورنا القادمة.

“أوفَّا رِكس” موحِّد الإنجليز

لماذا سكَّ ملك الإنجليز كلمة التوحيد على عُملته قبل ألف عام

تعرَّضت بريطانيا بين منتصف القرن الرابع الميلادي وحتى منتصف القرن السادس الميلادي لأوائل الغزوات الجِرمانية، والجِرمانيون هُم أولئك الذين اصطلح المؤرخون على تعريفهم باسم الأنجلو-ساكسون أو الساكسون، وهم خليط من الساكسون والإنجليز والجوت القادمين من الدانمارك و”جوتلاند” (في السويد حاليا) وألمانيا، وقد غزت هذه المجموعات الهمجية الجزيرة البريطانية دون مقاومة تُذكر من سكانها الأصليين، الذين هربوا من وجه الغُزاة واستقروا في مناطق “ويلز” الجنوبية فصارت لهم موطنا ومقاما.

سرعان ما نشب صراع مرير بين زعماء هذه الطوائف، واستطاع كلٌّ منهم الاستقلال وتكوين مملكة خاصة، حتى غدا في الجزيرة البريطانية 7 ممالك، منها “وِسِكس” و”سَسِكس” و”إسِكس و”إيست أنغليا” و”مِرسيا” و”نورثَمبريا” و”كِنت”، وقد آلت زعامة تلك الممالك في نهاية المطاف إلى هيمنة “مِرسيا” بعد حروب وصراع مرير، حيث دان لها الجميع بالولاء والإذعان التام، وما وقع ذلك إلا في عهد أعظم ملوكها، الملك “أوفَّا رِكس” (757-796م/140-180هـ) الذي تمكَّن بجدارة من أن يحوز لقبي “ملك إنجلترا” و”ملك كل بلاد الإنجليز” و”ملك مِرسيا العظيم”[1].

لم يحقق “أوفَّا” هذا المنجز الكبير بتوحيد الجزيرة البريطانية تحت سلطان دولته إلا بسبب قوته العسكرية الكبيرة التي اعتمدت على رافد مالي قوي من التجارة وتحصيل الربح والثروات، وقد أُثر عنه قوله: “إن أي ملك يريد أن يرفع مستوى معيشة شعبه وتحقيق أمجاده، لا بد أن يهتم بالتجارة ويشجِّعها”[2]. وقد عكس اهتمام “أوفَّا” بالتجارة اهتمامه بالاقتصاد، كما عكس رغبته في تكوين علاقات دبلوماسية وتجارية مع القوى الأوروبية المحيطة به، بل ومع العالم الإسلامي الذي كان في أوج قوته الحضارية والعسكرية تحت سيادة الخلفاء العباسيين الأوائل، مثل أبي جعفر المنصور ومحمد المهدي وموسى الهادي ثم هارون الرشيد.

دينار أوفَّا الإسلامي

كما أشرنا، حرص أوفا على إقامة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع أقوى الممالك الأوروبية آنذاك، وهي مملكة الفرنجة (فرنسا) والإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة الملك “شارلمان”، كما عمل على إصلاح العُملات المعدنية الفضية والذهبية للإنجليز لتسهيل المعاملات التجارية بين إنجلترا وجيرانها، فضلا عن العالم الإسلامي الذي بلغت قوته حينئذ القارة الأوروبية ذاتها بانتصار المسلمين في الأندلس وجنوب فرنسا واستقرارهم هناك لفترات طويلة. بيد أنه لوحظ أن “أوفَّا” قبل أن يصل إلى عقد اتفاقية تجارية بين الإنجليز والفرنسيين لم يرغب في الاعتراف بسُلطة الكنيسة الباباوية الكاثوليكية في روما التي كان سيفها آنذاك في يد “شارلمان” حامي قوتها وسيادتها في القارة الأوروبية، وقد عاقبه “شارلمان” على ذلك بمنع كل التجار الإنجليز من العبور إلى فرنسا، الأمر الذي اضطر معه أوفا إلى الإذعان والقبول بسلطة البابوية وزيادة نفوذها على الكنيسة الإنجليزية[3].

وقد لاحظ المؤرخون أن عملات بداية عصر “أوفَّا” حملت على ظهرها علامة الصليب المسيحية، وحمل وجهها صورة الملك “أوفَّا”، لكن تغيَّر الأمر مع العملات المطروحة في نهايات عصره، حتى تلاشت علامة الصليب واختفت صورة الملك، ثم أخيرا ظهر الدينار الذهبي اللافت الذي نقش عليه “أوفَّا” عبارة التوحيد والإسلام عام 157هـ/774م[4].

على وجه الدينار نجدُ في الهامش “محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كلّه”، وفي المركز “لا إله إلا الله وحده لا شريك له”، وفي الظهر نجدُ في الهامش “بسم الله ضُرب هذا الدينار سنة سبع وخمسين ومئة”، وفي المركز “محمـد رسول الله OFFA REX”. وقد ظهر هذا الدينار لأول مرة في صالة بيع بروما، وربما كان جزءا من هدية أو جزية سنوية للبابا “أدريان الأول”، حيث وعد “أوفَّا” بإرسال 365 قطعة نقدية ذهبية إلى البابا كل عام[5].

وقد تفاوتت تفسيرات المؤرخين والباحثين حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الملك “أوفَّا” إلى سكِّ هذه العُملة، فاتجه فريق إلى أن سيادة الدينار في مشرق العالم الإسلامي ومغربه على السواء وصولا إلى المحيط الأطلنطي برا وبحرا، وحتى في الأندلس وجنوب فرنسا في عصر عبد الرحمن الداخل الأموي وأولاده وأحفاده من بعده طيلة قرنين من الزمن، كل ذلك جعل القوى اللاتينية والأوروبية تحاول أن تنهج النهج ذاته وتسك دينارا يحمل طابعا إسلاميا.

“شارلمان” ملك فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة.

يُعضِّد هذا التفسير أن “شارلمان”، ملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة وقلبها فرنسا، كان أول المبادرين إلى تقوية العلاقات مع العباسيين في عصر الخليفة هارون الرشيد حيث كانا يتبادلان الهدايا الثمينة، الأمر الذي جعل “أوفَّا رِكس” ملك إنجلترا يسعى إلى حيازة بعض من هذه الغنيمة بتطوير العلاقات مع أقوى الإمبراطوريات في العالم آنذاك، وذلك من خلال سكِّ هذه العُملة لتنشيط المعاملات التجارية بينه وبين المسلمين، وكي يفتح الطريق إلى قبول هذه العُملة في العالم الإسلامي الذي كان يستنكف أن يقبل عُملات عليها صور الصلبان، ثم لتيسير التجارة والمقام بين ظهراني المسلمين دون تضييق أو اضطهاد. وهو رأي كان على الرأس من القائلين به المؤرخ البريطاني “بلنت”[6].

على أن ظهور هذا الدينار واكتشافه في روما جعل بعض المؤرخين يفسر أن سببه النكاية في الباباوية التي كان يدفع لها ملك “مِرسيا” والجزيرة البريطانية كل عام جزية سنوية قُدِّرت بـ365 دينارا ذهبيا على كل يوم من أيام السنة. ويستند هذا التفسير إلى الخلافات الحادة المعروفة بين “أوفَّا” ورجال الكنيسة الإنجليزية والبابا في روما، بل وبينه وبين “شارلمان” ملك فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة وحامي الصليب الأول في أوروبا، حيث كان “أوفَّا” يعامله معاملة الأنداد [7].

لكن مواقف البابوية والكنيسة الرومانية المعادية لمثل تلك العبارات فيما بعد عصر “أوفَّا” إبان الحروب الصليبية تؤكد أنها لم تكن لتقبل أن يدفع أحد أتباعها ومنهم “أوفَّا” الجزية السنوية بعملة تحمل عبارات إسلامية واضحة مثل هذا الدينار، ولقد حدث أن سكَّ الأمراء الصليبيون في طرابلس وصيدا عُملات عليها اسم الرسول محمـد صلى الله عليه وسلم والتاريخ الهجري، فرفض مندوب البابا المصاحب لحملة لويس التاسع الصليبية تلك العملة، الأمر الذي يستبعد فرضية قبول البابوية في روما قبل عصر الحروب الصليبية بثلاثة قرون وهي في أوج قوتها لمثل هذه العُملة القادمة من إنجلترا ولو كانت على سبيل الجزية من ملك مسيحي، إلا إذا كان هذا الملك على دين آخر[8].

هل أسلمَ الملك أوفَّا إذن؟

يُشبه النمط المتبع في سك دينار “أوفَّا” الذهبي بوجود عبارات التوحيد إلى حد كبير شكل الدينار العباسي البغدادي، وليس الدينار المغربي أو الأندلسي؛ ما يؤكد أن “أوفَّا” كان على علاقة قوية بالسلطات العباسية، وأنه سمح للتجار المسلمين بالدخول إلى بريطانيا في القرن الثامن الميلادي لبيع وشراء ما أرادوا وفق العلاقات المتبادلة بين الجانبين. لذلك، يرى الدكتور “مصطفى الكناني” أن الدينار الذهبي المرسل إلى البابوية في روما حاملا كلمة التوحيد دليل واضح على دخول الملك “أوفَّا” في الإسلام عن طريق التجار المسلمين الذين فُتحت أمامهم أبواب بريطانيا.

يقول الكناني: “لما كان التجار المسلمون ليسوا مجرد تجار فحسب بل كانوا دعاة إسلاميين في نفس الوقت وعلى علم تام بكافة الأمور الفقهية وأصول الدعوة والشريعة الإسلامية ككل، فضلا عمّا اتسموا به من حُسن خُلق وسلوك قويم واستقامة وأمانة، لذا كانوا بحق خير مثالا يُمثّل المسلم القدوة، فأعطوا المجتمعات التي تاجروا معها صورا مشرقة عن الإسلام والمسلمين… فليس ثمة ما يمنع من وجود نوع من الاتصالات المباشرة بين بعض من كبار هؤلاء التجار المسلمين وبين أوفا، ناقشوا خلالها معه مفهوم عبارات التوحيد الإسلامية المنقوشة على الدنانير العباسية بعد أن بهرته نقوشها”[9].

ويبدو أن هذه النقاشات قد تطورت لدعوته إلى الإسلام، ومناقشتهم إياه في كافة الأمور المتعلقة بالمسيحية، وكما استطاع المسلمون المهاجرون إلى الحبشة دعوة النجاشي ملك الحبشة المسيحي إلى الإسلام بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فيبدو أن هؤلاء التجار استطاعوا النجاح أيضا في مهمتهم مع الملك أوفَّا، ولعله آمن وحده أو مع أسرته وكبار معاونيه في بداية الأمر، ثم أعلن الأمر وقرر سكَّ هذه العملة التي أرسل بعضا منها جزية إلى الباباوية في روما كما دأب سابقا، وأكبر دليل على ذلك هو اختفاء وثائق عصر الملك “أوفَّا” رغم حصولنا على وثائق من سبقوه ومن لحقوه من ملوك بريطانيا على حد وصف الكناني.

ولا يُستغرب على التجار المسلمين القيام بهذا الدور؛ لأنهم قاموا به أحسن قيام في بلدان وجزر جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي، فضلا عن بلاد شرق وغرب ووسط أفريقيا، وتخبرنا كتب الجغرافيا الإسلامية عن معرفة المسلمين بالجزر البريطانية التي أسماها الجغرافي الشهير “الإدريسي” في موسوعته الشهيرة “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” بجزيرة “إنقلطارة” (إنقلتارة أو إنكلتارة أو إنكرطارة)، وقد تناول الإدريسي أهم مدنها آنذاك، ومنها لندن التي أسماها “لندرس” على نهر “نطنزة”[10] أي نهر التيمز اليوم. ولا شك أن معرفة الإدريسي بهذه الجغرافيا البريطانية وتناوله أهم مدنها والمسافات بين المدن وجغرافيتها وطبائع أهلها من نتاج خبرة المسلمين الذي سبقوه عبر القرون الخمسة الأولى في اكتشاف هذه البلدان فضلا عن اللجنة العلمية التي أنشأها لهذا الغرض.

ومهما كان من تفسير المؤرخين لأسباب وجود عبارة التوحيد على دينار ذهبي بريطاني قبل 1200 عام من الآن، فإن ذلك ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك قوة الدولة الإسلامية عالميا في عصرها العباسي، لا سيما في أزمنة أبي جعفر المنصور والهادي والمهدي والرشيد، سواء تمثلت هذه القوة في الاقتصاد الذي أجبر القوى الأوروبية واللاتينية على الرضوخ لثقافتها وهيمنتها لسكِّ عُملة مثل هذه، أم تمثَّلت في قوة الدعوة والدبلوماسية الإسلامية التي لربما أقنعت هذا الملك المسيحي القوي الذي حكم الجزيرة البريطانية بأن يدخل في الإسلام، رغم طمس هذه الحقيقة من الملوك والبطاركة والساسة اللاحقين لعصره.

المصادر:

1- مصطفى الكناني: عصر أوفَّا ملك إنجلترا ص62.
2- مصطفى الكناني: السابق ص65.
3- Offa Anglo-Saxon king
4- مصطفى الكناني: العلاقات بين جنوة والشرق الأدنى الإسلامي ص312- 316.
5- Gold dinar of King Offa
6- عصر أوفَّا ملك إنجلترا ص125، 126.
7- Gold dinar of King Offa
8- عصر أوفَّا ص115- 127.
9- المصدر السابق.
10- الإدريسي: نزهة المشتاق 2/944 وما بعده.

المصدر : الجزيرة

اقرأ أيضا: لصوص يعيدون صندوقا ذهبيا للشرطة خوفاً من “لعنة دم المسيح”

قد يعجبك ايضا