لماذا لن تتمكن الصين من زحزحة أمريكا عن عرش العالم قريبًا؟

- الإعلانات -

لماذا لن تتمكن الصين من زحزحة أمريكا عن عرش العالم قريبًا؟

حين يُطرح سؤال من الأقوى: الصين أم الولايات المتحدة الأمريكية؟ تكون الإجابة واضحة بالنسبة للغالبية؛ فالولايات المتحدة الأمريكية أقوى سياسيًا وعسكريًا، وطبعًا اقتصاديًا، ولكن البعض قد يشكك في ذلك محاولًا استخدام مؤشرات غير تلك التي تُستخدم عادة في الإعلام، وحتى من طرف الاقتصاديين، لإظهار وقائع أخرى، وبهدف تقديم صورة أخرى للنظر للأمور.

ورغم أن هذه الزوايا المختلفة والبعيدة مهمة جزئيًا لتكوين صورة أفضل في تحليلنا لموازين القوى في العالم؛ فإنها لا تخلو أحيانًا من عدم الدقة، بتأثيرٍ من الموقف السياسي على التقييم الموضوعي في الاقتصاد وغيره.

سنحاول في هذا التقرير عقد مقارنة بين الاقتصادين؛ دون أن نهمل الاتجاهات الممكنة لحركة كل منهما في المستقبل، وأيضًا العوامل الأخرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند عقد هذه المقارنة لغايات معرفة من سيكون المهيمن في المستقبل على العالم؛ إذ لا يكفي أن نعقد المقارنة بين الصين والولايات المتحدة فقط في هذه الحالة.

صراع على العالم بين دولتين أم بين حلفين؟

بخصوص من المهيمن على العالم اليوم؟ ومن قد يصبح المهيمن لاحقًا؟ لا يكفي أن نقارن – من حيث الاقتصاد – بين الصين والولايات المتحدة فحسب، بل علينا مد الخط إلى آخره، ومقارنة «الحلف الغربي» الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، وينضوي فيه كل من الاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا الجنوبية، ومعهم دول أخرى مهمة اقتصاديًا في الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بإمدادات الطاقة العالمية، وبين حلف آخر لم تظهر معالمه بشكل واضح بعد.

وبعد الحرب الأوكرانية بدأت الصحافة العالمية، والغربية تحديدًا، الحديث عن تحالف «معادٍ للدولار» يتشكل حول العالم، ومع أن مثل هذا الإشارة إلى هذا التحالف بدأت بالفعل قبل الحرب الأوكرانية، إلا أن الحرب والعقوبات التي ترتبت عليها ضد روسيا كثفت الحديث عن مثل هذا التحالف، لكنه ما يزال حتى الآن أقرب لصيغة سياسية واقتصادية تشمل تقاربًا وتعاونًا بين هذه الدول، وتشاركًا في تحديات متشابهة، لكنه لم يصل بعد إلى صورة التحالف الغربي.

لقاء بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينج

ولا يقتصر التحالف الغربي على التعاون العام – والوثيق في نفس الوقت – فقط، بل يمتد ليشمل أقوى التحالفات العسكرية في العالم، ألا وهو «تحالف شمال الأطلسي (الناتو)» أيضًا، واتفاقات اقتصادية وتجارية، ومعها هيمنة الدولار على النظام المالي والنقدي في العالم، فضلًا عن أن هذه الدول تمثل أقوى وأضخم اقتصادات العالم، وأكثرها تعقيدًا واحتكارًا للتكنولوجيا المدنية والعسكرية، وبالتالي قدرة على التأثير على السياسة العالمية.

لذلك فإننا وقبل كل شيء علينا أن نفهم، وحتى لو تجاوز الاقتصاد الصيني الاقتصاد الأمريكي، فإن ذلك لن يعني بالضرورة أن الصين ستصبح أقوى من الولايات المتحدة؛ فكما يتساءل الكاتب اللبناني عامر محسن في إحدى مقالاته، من سيقف مع الصين وضد كل هذه الدول الثرية وقت الصراع؟ لاوس وكمبوديا؟ ويمكننا ربما أن نضيف روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، وكوبا، وقد تنضم إليها دول أخرى، وقد يقف غيرها في صف الحياد، دون المخاطرة بفقدان العلاقة مع أي من الطرفين أيضًا، لكن كيف يرى المناوئون للإمبريالية ميزان القوى العالمي؟

يرى بعض المناوئين للإمبريالية الأمريكية أن الغرب يحاول «تزييف» مؤشرات القوة الاقتصادية لتبدو الصين بمظهر الأضعف عند المقارنة، وتحديدًا باستخدام مؤشر «الناتج المحلي الإجمالي Gross Domestic Products».

يقيس هذا المؤشر القيمة السوقية لكل ما جرى إنتاجه من قيمة مضافة في دولةٍ ما خلال فترة عام واحد، وطبعًا هناك طرق كثيرة لاحتسابه؛ لكون هذا المؤشر يجري احتسابه عن طريق ضرب كميات الإنتاج بسعرها، والمشكلة أن هناك أكثر من سعر واحد لنفس المنتج، فيمكن استخدام سعر سنة أساسًا – وهو المعتاد – ليجري استثناء أثر التضخم، أو يمكن استخدام سعر المنتج بالدولار الحالي، وطبعًا يمكن استخدام الأسعار الحالية؛ ولكن عندها سيكون الناتج أكبر من حجمه الحقيقي بمقدار التضخم.

لكن هذا المؤشر واستخداماته في النهاية، على فوائدها الجمة، يظل قاصرًا في التعبير عن الحقائق الاقتصادية، ولكن لغايات المقارنة بين كل من الحلفين سنقتصر على استخدامه وحده في البداية لمقارنة القوة الاقتصادية لكل من هذين الحلفين، ثم سنحاول عقد مقارنة محددة بين الصين والولايات المتحدة.

سنفترض أن الحلف الأول بزعامة الصين وروسيا يضمهما مع إيران، وفنزويلا، وكوبا؛ ولا داعي لإضافة اقتصادات الدول الأخرى؛ فهي في الغالب ذات اقتصادات صغيرة جدًا، ولا يمكن لها التأثير على الصورة العامة، وفي المقابل سنهمل كل حلفاء أمريكا والاتحاد الأوروبي، وسنحتسب اقتصاديهما معًا فقط بالنسبة لمجمل الناتج الإجمالي العالمي.

في هذه الحالة ستكون حصة الحلف الأول 21% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بينما ستكون حصة الحلف الثاني الضعف تقريبًا، وبنسبة 42% من إجمالي الناتج المحلي؛ لكنها ستصل إلى أقل بقليل من 52% من إنتاج العالم، بإضافة كل من المملكة المتحدة، وأستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية.

ليس هذا فحسب، بل إن دول الحلف الأول تمثل أكثر من 21% بقليل من سكان العالم؛ بمعنى أنها تحتاج لجزء أكبر من إنتاجها لإطعام شعوبها، والوفاء باحتياجاتهم، بل أيضًا سد فجوات الاستثمار، ومراكمة رأس المال الأقل مقارنة بالحلف الثاني، ونسبة سكان هذا «الحلف المناوئ للدولار» مطابقة تقريبًا لحصته من الناتج العالمي.

بينما الحلف الغربي لا يشكل إلا 13% تقريبًا من سكان العالم، وهو يمتلك من الناتج المحلي الإجمالي ما يمثل أربعة أضعاف حجم سكانه، وهو بالتالي أقدر على استخدام رءوس أمواله لخدمة السياسة والشؤون العسكرية؛ بل أيضًا لاستثمارها في الاقتصاد، وسكان هذا الحلف أكثر غنى ورخاءً وتقدمًا بما لا يقاس أيضًا.

لكن على جانب آخر تمتلك الصين ميزة على غيرها من الدول الغربية؛ وأيضًا على دول مثل روسيا من حلفها نفسه، وهي أن اقتصادها ضخم، وحكومتها مركزية، وبالغة القوة، وتستطيع حشد قدرات الدولة، وإمكاناتها، وتوجيهها كما تريد، وهو أمر لا تستطيع الدول الغربية فعله، ولكن عند مقارنة الحجم والاختلاف الضخم بين المعسكرين، فإن هذه الميزة الصينية لن تستطيع سد الفجوة بين هذه المعسكرين.

ولعبت هذه الميزة في السابق دورًا أسطوريًا في قدرة الاتحاد السوفيتي على الصمود في الحرب العالمية الثانية، فرغم أنه كان الطرف الأضعف، والطرف المضطر للتراجع أمام آلة الحرب الألمانية، والتي استطاعت خلال فترة قصيرة احتلال أراض واسعة في الاتحاد السوفيتي؛ فإنه كان قادرًا على النجاة عن طريق حكومته المركزية القوية، والتي استطاعت القيام بواحدة من أضخم عمليات حشد ونقل الاقتصاد خلال الحرب، وتحت ضربات النازيين؛ ليستطيع نقل قدراته من الغرب المهدد إلى الشرق الآمن.

ولكن كل هذا لا يعني أنه من غير المنطقي أن نقارن الصين والولايات المتحدة بشكل منفرد؛ ففي النهاية هذان البلدان هما الأهم في كل من معسكريهما، وقد يختلف العالم بشكل دراماتيكي في قادم السنوات؛ بحيث تنقلب الآية في العالم بسبب حرب ضخمة، وقد تنتقل باقي دول العالم إلى معسكر الصين مثلًا نتيجة لتفوقها على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن كل هذه لا تعدو كونها سيناريوهات تستبعدها الوقائع الحالية، على الأقل بالنسبة للمستقبل المنظور، أما في المستقبل البعيد، فالفضاء واسع، وفيه إمكانيات أمام الصين لتقلب الموازين دون حروب حتى.

الصين Vs الولايات المتحدة.. من الأقوى وكيف نقيس ذلك؟

لنبدأ استعراض بعض المؤشرات للمقارنة، ويمكننا أن نستعرض معنى كل من هذه المؤشرات، وما الذي يقيسه بالضبط، وكيف يمكن لنا أن نقارن القوة الاقتصادية للبلدين بناء على ذلك؟ ولنبدأ أولًا بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي، بأسعار الدولار الحالية؛ أي بعد تحويل العملة المحلية إلى الدولار بسعر عام 2022، وهنا يظهر الفرق جليًا جدًا بين الناتج المحلي الصيني والأمريكي. فالناتج الصيني لا يعدو كونه 77% من الناتج الأمريكي بـ17.73 تريليون للصين، و23 تريليون دولار للولايات المتحدة، وهذا المؤشر مهم لإزالة عامل اختلاف قيمة العملة.

 

ما المؤشر الآخر الذي يمكن استخدامه فهو الناتج المحلي الإجمالي باستخدام أسعار سنة محددة نختارها لنُزِيل عامل التضخم داخل بلد ما، والبنك الدولي يختار عام 2015 لهذا الغرض، فإذا كان الناتج يُحتسب عن طريق ضرب كميات الإنتاج بأسعارها، فقد يبدو الناتج أكبر مما هو عليه نتيجة للتضخ، وليس هناك فرق كبير بالنسبة لهذا المؤشر أيضًا عن المؤشر السابق؛ فما زال الاقتصاد الأمريكي أضخم حجمًا، والاقتصاد الصيني يمثل نفس النسبة، ولكن حجم الاقتصاد الأمريكي سيكون 20.3 تريليون دولار، والصيني 15.8 تريليون دولار.

وقبل الانتقال للمؤشر الذي يفضل بعض المناوئين للإمبريالية استخدمه لإثبات تفوق الاقتصاد الصيني على نظيره الأمريكي علينا أيضًا أن نحاول إزالة أثر عامل آخر من حساباتنا، وهو عدد السكان، فالناتج المحلي الإجمالي سيوزع على هؤلاء السكان.

هذا المؤشر هو «الناتج المحلي الإجمالي للفرد GDP Per Capita»، وسنستخدم سعر الدولار الحالي أيضًا لهذه الغاية، وهنا سيكون الفرق أضخم بكثير بين الصين والولايات المتحدة؛ فالمؤشر في الصين 12.5 ألف دولار، بينما هو في الولايات المتحدة قرابة 70 ألف دولار.

وبهذا المؤشر فإن حصة الفرد الصيني لا تمثل إلا 18% من حصة نظيره الأمريكي، أي أن الصين تحتاج مضاعفة إنتاجها 5.5 مرة لتساوي دخل فردها مع الفرد في أمريكا، وهو فرق هائل جدًا، وهو طبعًا على فرض بقاء معدلات السكان كما هي.

وعند الأخذ بهذا المؤشر يمكننا أن نقول إن الصين ما تزال بعيدة جدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص رفاهية مواطنيها ودخولهم السنوية، ولكن عند النظر لجميع المؤشرات، وعند أخذ مركزية الحكومة الصينية بعين الاعتبار، وأهمية حجم الاقتصاد في العلاقات الاقتصادية في الخارج، فالصين ليست بذلك البعد المفترض، ولكن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أيضًا أن الولايات المتحدة لديها ناتج أكبر لاستغلاله في مختلف المجالات مقارنة بالصين.

معادل القوة الشرائية

يستخدم الاقتصاديون المعادون لأمريكا ما يعرف باسم «معادل القوة الشرائية Purchasing Power Parity»، لمقارنة الناتجين معًا، على أنه مؤشر أفضل للمقارنة، ولإزالة أثر «التزييف» الغربي من هذه المقارنة بين أمريكا والصين.

ويُستخدم هذا المؤشر عادة لمقارنة القوى الشرائية بين البلدان بمقارنة الأسعار فيهما عن طريق احتساب هذه الأسعار لسلة من السلع والخدمات المختلفة في كل من البلدين أو في مجموعة من البلدان؛ فالدولار الواحد قد لا يشتري شيئًا في الولايات المتحدة، ولكنه قد يوفر وجبة غداء كاملة بالنسبة لمواطن في دولة أفريقية.

إذًا فهذا المؤشر يأخذ بعين الاعتبار مستوى الحياة الموفر للأفراد وإنتاجيتهم أيضًا؛ لا مستوى التضخم فحسب، والذي يعبر فقط عن تغير الأسعار داخل دولة ما مقارنة بالعالم السابق، لذا فهو أكثر تعبيرًا عن المقارنة بين دولتين على المستوى الداخلي لكل منهما؛ وتحديدًا على مستوى الحياة والرفاهية المقدم في كل بلد منهما.

لكن هناك أكثر من مؤشر يمكننا استخدامه؛ ولكننا سنقتصر على مؤشر الناتج بالقوة الشرائية المعادلة بسعر الدولار الحالي، فالفرق بين الاقتصادين متقارب في كلا المؤشرين، فباستخدام هذا المؤشر سنجد أن الصين تفوقت بالفعل على الولايات المتحدة منذ عام 2016، ولديها اليوم ناتج أكبر من الناتج الأمريكي بـ4.31 تريليون دولار، ولكن ما قيمة كل ذلك تحديدًا عند محاولة مقارنة القوة الاقتصادية بالنسبة للخارج؟

إذا كان هذا المؤشر يقيس مستوى المعيشة للمواطنين؛ ويعتمد فرق الأسعار الداخلية فقط، فهذا يعني أنه لا يأخذ بعين الاعتبار ما يمكن للصين أن تشتريه خارج الصين، ولذلك فقد لا يكون هذا المؤشر هو الأفضل لاستخدامه في مثل هذا السياق.

أيضًا هناك زاوية أخرى يجري أهمالها في الغالب، وهو توزيع هذا الدخل باعتبار القوة الشرائية على الأفراد، فطالما أن المؤشر يخبرنا بالدرجة الأولى عن القوة الشرائية ومستوى الحياة داخل كل من هذين البلدين، فالأفضل أن نعرف القوة الشرائية للفرد؛ ففي النهاية عدد سكان الصين أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة، وعند توزيع الناتج عليهم سيظهر الفرق أكبر من ذلك بكثير.

فعبر قسمة الناتجين على عدد السكان سيتحسن الناتج القومي للصين بالطبع؛ لأن ما تشتريه بدولار واحد في الصين سيكون أكبر مما تشتريه بنفس الدولار في الولايات المتحدة، ولكن هذا الناتج سيصل إلى قرابة 19.4 ألف دولار للفرد الواحد، بينما ستبقى حصة الفرد الأمريكي مقاربة لـ70 ألف دولار كما كانت عليه سابقًا؛ وهذا يقلص الفارق مع بقائه بعيدًا جدًا بالطبع.

إذ إن حصة الفرد الصيني تمثل 28% من حصة نظيره الأمريكي؛ بمعنى أن الصين تحتاج لمضاعفة حصة الفرد فيها 3.5 مرة لتصل إلى نفس المستوى الأمريكي على اعتبار القوة الشرائية، أي ليصبح مواطنوها لديهم دخل أقل، ولكنه يكفي لشراء نفس سلة السلع والخدمات في الولايات المتحدة الأمريكية.

ما مستقبل هذه المقارنة؟

قبل الانتقال لموضوع مختلف تمامًا علينا أن نعي أمرًا في غاية الأهمية؛ وهو أن اتجاهات النمو المستقبلية لن يكون تحليلها ببساطة تحليل الوضع الراهن، ولذلك فمن غير الممكن التنبؤ بماذا سيحصل في المستقبل.

فبناءً على معدلات النمو في العقود الثلاثة الأخيرة، والتي كانت أدنى مستوياتها: 6% (عام 2019) بالنسبة للصين، وأعلاها 14.2% (عام 1992)، بينما كانت في الولايات المتحدة بين -2.6% (عام 2009)، و4.5% (عام 1999)، وذلك على فرض إهمال عام جائحة كورونا لكونه عامًا استثنائيًا، ولو افترضنا أن الصين تستطيع الحفاظ على معدلات شبيهة، وأن الولايات المتحدة في المقابل لن تستطيع رفع معدلات نموها بشكل ضخم جدًا، فإن مستقبل المقارنة محتوم: الصين ستستطيع عاجلًا أو آجلًا التفوق على الولايات المتحدة بكل المقاييس، وباستخدام جميع المؤشرات.

ولكن إذا دققنا في معدلات النمو الصينية في الفترة الأخيرة، وقارناها بما كانت عليه سابقًا سنرى أن هذه المعدلات مستمرة في الانخفاض منذ عام 2010، وأنه من الممكن للصين أن تقع في «فخ الدخل المتوسط»، فهي ما تزال تمتلك حصة فرد من الناتج أقل من تصنيف الدخل المرتفع، وإن كانت الصين قريبة جدًا من دخول فئة الدخل المرتفع بعد النمو الكبير في عام 2021 (وصلت إلى 20%) في هذا المؤشر.

ومشكلة تباطؤ الاقتصادي الصيني، بل مشكلة النمو «المضخم» في الصين ليست من اختراع الغرب، بل هي أمر تعيه القيادة الصينية نفسها، وتحدث عنه الرئيس الصيني شي جين بينج نفسه، وإن كان البعض في الغرب يقولون إن هذه المشكلة هي نهاية طريق التنمية الصينية، وهذا إجحاف بحق الصين طبعًا، ولكن هذا لا ينفي وجود المشكلة وإمكانية تباطؤ مسار التنمية الصينية.

لهذا السبب تحديدًا تعمل القيادة الصينية على تطوير إستراتيجيات لتجاوز هذه العوائق، وأهمها هو إستراتيجية «التداول المزدوج»، وهي في الصميم اعتراف صيني بمشكلة اختلالات معدلات الاستهلاك المحلية في الصين؛ والناتجة عن أن حصة العامل الصيني مما ينتجه قليلة جدًا مقارنة بغيره، وأن الصين اعتمدت على الخارج في العقود الماضية لشراء منتجاتها.

بناءً على كل ما تقدم لا يمكننا أن نجزم بمسار الأحداث، وهذا التحليل كله على افتراض بقاء العالم ضمن نسقه الحالي دون تصادمات كبرى بين قواه الأضخم، وتحديدًا الصين والولايات المتحدة الأمريكية؛ فالحرب – أو غيرها من التغيرات الضخمة – قد تغير كل شيء طبعًا.

طبعًا هناك مؤشرات أخرى كثيرة لاعتمادها في احتساب فرق القوة الاقتصادية بين البلدين، ولكننا سنقتصر هنا على ما تقدم، ومعه جزئية مختصرة بخصوص هيمنة الدولار في العالم، وصعوبة تغيير ذلك، بل إمكانية أن يكون تغيير هذا الواقع في غير مصلحة الصين على الأقل في المستقبل المنظور.

هل يمكن القضاء على هيمنة الدولار؟

يظل هذا أحد الأسئلة المحورية عند محاولة المقارنة بين البلدين؛ فلو افترضنا أنه يمكننا الاعتماد على مؤشر الناتج باعتبار القوة الشرائية، وقلنا إن الصين بالفعل أقوى اقتصاديًا من الولايات المتحدة ضمن اعتبارات هذا المؤشر، فما أهمية ذلك وكل دول العالم، وعلى رأسها الصين، تُراكم الدولار الذي يطبعه الفيدرالي الأمريكي حرفيًا؟

ما أهمية ذلك والدولار هو مركز الهيمنة الغربية، وهو أيضًا مركز الاقتصاد والنظام المالي العالمي؟ فالولايات المتحدة اليوم تقوم بتسليح عملتها ضد روسيا، وتعاقبها عن طريق منعها من استخدام الدولار، ورغم أن للصين قدرات اقتصادية أكبر من روسيا، ولكنها أيضًا ستتضرر بشدة إذا ما طبقت عليها عقوبات شبيهة، مع الفارق بين الحالتين للاعتماد الغربي الأكبر على الصين بما لا يقاس مع حالة روسيا، والذي سيعني ضررًا ضخمًا على الغرب في نفس الوقت.

وبالطبع فإن مسألة نهاية هيمنة الدولار مسألة شائكة جدًا، ولكن يكفينا لغاية هذا التقرير أن نختصر المسألة بقول إن الصين تحتاج في نموذج تنميتها الحالي لبقاء هيمنة الدولار في العالم؛ وذلك لأنها تحتاج لمنح مواطنيها نسبة أقل مما ينتجونه مقارنة بالدول المتقدمة، بل هي من أدنى المعدلات في العالم.

والنسبة الأقل تعني استهلاكًا أقل، وهذا يعني أن الصين تنتج فائضًا كبيرًا عن حاجتها؛ وتصرفه على شكل صادرات للخارج، تعود عليها بعملة أجنبية تشتري بها أصولًا في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول المتقدمة بالدولار وغيره من العملات الأجنبية.

وبناء على هذا النموذج فإن الصين تحتاج لهيمنة الدولار لتستطيع تصريف فائض إنتاجها على شكل صادرات، ومن ثم تخزين احتياطاتها في سوق أخرى، ولن تستطيع فعل ذلك دون استخدام الدولار بشكل أساسي، مع إمكانية وجود بدائل أخرى في المستقبل، ولكن هذه البدائل تواجه عقبات حالية لا يمكن تجاوزها بسهولة.

وحتى ذلك الوقت سيبقى الدولار هو الأكثر استخدامًا باعتباره عملة احتياطي أجنبية، والأكثر استخدامًا في التجارة والتعاملات المالية العالمية، بينما لا تشكل العملة الصينية إلا نسبةً ضئيلةً جدًا (لا يمثل استخدام العملة الصينية في نظام سويفت – مثلًا – إلا 2.7% من إجمالي التعاملات) مقابل الدولار، واليورو، والباوند الإسترليني، والنموذج الصيني لا يسمح لها بفعل أمر مختلف أصلًا، وطالما بقيت المعادلة على ما هي عليه اليوم، فإن الولايات المتحدة ستبقى مهيمنة على الاقتصاد العالمي.

اقرأ ايضاً:قائد قسد يتحدث عن معركة كبيرة: تركيا ستواجه الجيش السوري والسوريين أولاً

 

قد يعجبك ايضا