اتُّهم بالخيانة وتسهيل غزو المغول لعاصمة الخلافة.. ما قصة الوزير العباسي مؤيد الدين بن العلقمي؟

- الإعلانات -

دائماً ما تكون الشخصيات التاريخية محل اختلاف ونقاش حول الجوانب الإيجابية والمظلمة في حياتهم، لكن كثيراً من المؤرخين اتفقوا على رأي واحد سلبي عن الوزير العباسي مؤيد الدين بن العلقمي؛ إذ وصف بالغدر والخيانة، ولم يرد ذكره على كثير من المؤرخين ورجال الدين إلا وأبَوا الترحم عليه.

إذ جاء ابن العلقمي في فترة كثرت فيها التوترات السياسية وبرزت فيها المشاحنات والفتن بين أقطاب العالم الإسلامي، خصوصاً مع الانهيار الحقيقي للخلافة العباسية في بغداد، بعد أن فقدَ الخليفة المستعصم سلطته في معظم المناطق، مكتفياً بالدعاء له في المنابر، منغمساً في سهراته مع جواريه.

بينما كان العالم الإسلامي يواجه أخطاراً متعددة، جميعها تؤدي إلى الهلاك المحقق، أولها خلاف الملوك الأيوبيين بين بعضهم البعض وبين المماليك الذين سيطروا على حكم مصر، وثانيها الخطر الصليبي الدائم الذي لا يكل من محاولاته في القضاء على الدول الإسلامية، وثالثها وأخطرها الغزو المغولي تحت قيادة هولاكو، الذي استغل جميع الأحداث الجارية لتحقيق هدفه بالسيطرة على العالم الإسلامي، وهنا تحديداً اتهم العلقمي بتسهيل غزو المغول لبغداد.

الوزير العباسي مؤيد الدين بن العلقمي

الوزير الكبير المدبر المبير مؤيد الدين محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب بن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم الذي شغل هذا المنصب مدة أربع عشرة سنة، كما عرفه شمس الدين الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء”.

وقد أجمع المؤرخون على أنه من مواليد عام 1195 في بغداد، واشتغل في صباه بالأدب، وقد ذكر ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” أنه كان من الفضلاء الأدباء وقد خدم في أيام الخليفة المستنصر وشغل منصب أستاذ دار الخلافة مدة طويلة، وهو منصب رفيع زمن الدولة العباسية، وظيفته رعاية دار الخلافة وصيانتها، وتوفير ما يلزم ساكنيها من أسرة الخليفة.

وزير مقرب من الخليفة المستعصم

بعد وفاة الخليفة العباسي أبي جعفر المستنصر بالله عام 1242، تولى ابنه عبد الله المستعصم بالله خلافة المسلمين، وقد اختلف المؤرخون حول تحميله صفات الضعف واللهو بشكل مطلق التي كانت من أحد أهم عوامل سقوط بغداد.

فقد قال عنه رشيد الدين الهمذاني إنه محب للهو والجواري، مهمل أمر الإسلام، وكان عدد نسائه بلغ سبع مئة زوجة وسَريّة وألف خادمة، فيما قال الذهبي إنه كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن في حزم أبيه، وتيقظه وعلو همته وإقدامه، وإنما قدموه على عمه الخفاجي لما يعلمون من لينه وانقياده وضعف رأيه ليستبدوا بالأمور.

أما ابن كثير فيقول إن المستعصم كان يحفظ ويتلو القرآن وله الكثير من الفضائل، وتظهر عليه ملامح الخشوع، وقد تسلم الخلافة في وقت كانت تنتشر فيه الأوبئة والظروف الطبيعية الصعبة في بغداد.

وما أن أصبح المستعصم في كرسي الخلافة، حتى اختار للوزارة ابن العلقمي، وقد أورد ابن كثير ذلك في كتابه بقوله إن “الخليفة استوزر ابن العلقمي المشؤوم على نفسه، وعلى أهل بغداد، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لغيره من الوزراء”.

ووفقاً للذهبي في كتابه “تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام”، فإنه تولى وزارة العراق في ربيع الأول بعد موت ابن الناقد الوزير عام 1244، وقد بقي ابن العلقمي في الوزارة طيلة 14 عاماً، نمت فيها علاقاته وتوطدت أكثر مع الخليفة، ولكنها لم تخلُ أيضاً من وجود العداوات مع المقربين الآخرين من خليفة المسلمين.

فتنة جعلته يكيد للخلافة بأكملها

على الرغم من وصف أغلب المؤرخين لابن العلقمي بـ”الخيانة”، فإنهم اتفقوا أيضاً مع من لم يصفوه بالخيانة على الأسباب التي جعلته “يضمر الخيانة متوعداً في سره أن يأخذ ثأره ويقضي على بيت الخلافة العباسية”، وذلك إثر خلافات متكررة حدثت بينه وبين مقدم جيش العراق مجاهد الدين أيبك الدويدار، وأبي بكر ابن الخليفة المستعصم.

إذ وقعت في عام 1257، حرب أهلية في بغداد، وذلك قبل غزو المغول بعام، وقد نتجت عن فتنة جرت بين الأهالي من السُّنة والشيعة أدت إلى خراب ونهب وقتل الكثير من الفريقين واشتد الأمر إلى أن وصل للخليفة المستعصم، الذي أرسل ابنه أبا بكر والدويدار لإنهاء هذا الاقتتال، ورأى ابن العلقمي الذي يدين بالمذهب الشيعي أن الخليفة لم ينتصر له ولأهل الشيعة في بغداد.

وعن هذه الحادثة، يقول الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” إن أبا بكر ابن المستعصم والدويدار الصغير قد شدا على أيدي السُّنة حتى نهب الكرخ، وتم على الشيعة بلاء عظيم، فحنق لذلك مؤيد الدين بالثأر بسيف التتار من السُّنة، بل ومن الشيعة واليهود والنصارى.

كما علق ابن الكثير على هذه الحادثة بقوله إنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة الشيعة حرب شديدة، نهبت فيها الكرخ محلة أهل الشيعة، حتى نهبت دور قرابات الوزير ابن العلقمي، فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات.

أما ابن خلدون فقد ألقى باللوم على الجميع في تلك الفتنة، فقد وصف أن البلاد كانت تمر بتلك الفترة بضائقة جعلت الخليفة يصرف الكثير من جنده عن عملهم ويفرض الضرائب على التجار والناس، فاضطرب الناس وضاقت أحوالهم وعظمت الفتن بين أهل الشيعة والسنة.

ويكمل ابن خلدون في ديوانه: “المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر” أن مسكن الشيعة كان بالكرخ في الجانب الغربي، وكان ابن العلقمي منهم فسطوا بأهل السُّنة، فأمر ابنه والدويدار بنهب بيوت الشيعة، متجاهلاً وغير مراعٍ لذمة وزيره ابن العلقمي، الذي آلمه ذلك وتربص لخليفته مضمراً نيته بالتحالف مع التتار.

وكذلك تحدث المؤرخون الذين لم يتهموا ابن العلقمي بالخيانة العظمى عن هذه الحادثة، أمثال رشيد الدين الهمذاني في كتابه “جامع التواريخ-تاريخ المغول” والمؤرخ عباس إقبال في كتابه “تاريخ المغول منذ حملة جنكيز خان حتى قيام الدولة التيمورية”، واتهموا الخليفة بأنه كان ساذجاً يتحكم بقراره ابنه أبو بكر والدويدار، وأنهم كانوا يؤلبونه على ابن العلقمي والشيعة، وكانوا يدبرون لانقلاب على خليفتهم الذي لم يكن يسمع نصائح وزيره ابن العلقمي.

كما وجَّهوا الاتهام في هذه الحادثة التاريخية للخليفة وابنه وكبير جيشه بأنهم سفكوا دماء أهالي بغداد من الشيعة، وقتلوا منهم الكثير، وهدموا بيوتهم وسرقوا أموالهم، وهذه الأحداث جميعها سببت لابن العلقمي حزناً وغضباً شديداً تجاه خليفته الذي لم ينصفه، رغم ولائه له.

انتقام الوزير وتسهيل دخول هولاكو لبغداد

ألمَّت هذه التوترات بالعالم الإسلامي، وقبلها بعاصمة الخلافة، التي كانت لها ولخليفتها رمزية كبيرة لدى المسلمين، حتى وإن كان الخليفة ضعيفاً، بينما تقترب جيوش المغول بقيادة هولاكو خان من دخول العاصمة.

كان عدد جنود الخليفة يبلغ مئة ألف فقط في الوقت الذي اقترب فيه المغول من العراق، بعد أن ارتكبوا مجازر بشعة في المناطق التي غزوها في طريقهم، وهنا أشار ابن العلقمي على خليفته بألا يزيد من عدد الجند بل ينقصهم، وأن يهادن هولاكو ويرسل له الهدايا، وهذا ما وافق عليه المستعصم وكان ابنه والدويدار يعارضان، ولكن هولاكو استحقر هديته، وفقاً للمؤرخ المصري ابن تغري بردي في كتابه “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”.

إذ استطاع ابن العلقمي في هذه المرحلة مراسلة هولاكو سراً، حتى إنه اتفق معه على أن يسهل عليه عملية الدخول إلى بغداد، من خلال خفض عدد الجند قدر الإمكان، وإخفاء المعلومات عن الخليفة ونشر أخبار وأهوال جيش هولاكو لنشر الرعب بين الناس، مقابل أن يكون نائباً لهولاكو في العراق، ووافق بالفعل على ذلك ووعده بالوزارة.

ووفقاً لابن خلدون، فبعد أن استطاع هولاكو غزو أصفهان وهمذان، أرسل له ابن العلقمي رسالة أخبره فيها بأن الساعة قد حانت لغزو بغداد أواخر عام 1257، فحدثت معركة بينهم وبين الدويدار وجنوده، حتى هزم جيش المسلمين وقتل الدويدار وأسر الأمراء الذين كانوا معه.

وعندما وصل هولاكو لبغداد ذهب إليه ابن العلقمي مستأمناً على نفسه، وطلب هولاكو منه أن يخبر خليفته بأن يأتي هو وابنه وأعيانه وأمراؤه يبلغ عددهم 70 رجلاً للقائه في مكان إقامته، وما إن وصل المستعصم حتى فتك بهم جميعاً عام 1258، وأذاق بغداد الويلات وحرق بيوتها على رؤوس ساكنيها.

يصف ابن كثير هول ما حدث وعدد الضحايا المسلمين الذين قتلوا نتيجة دخول هولاكو وجيش، بأن الناس قد اختلفوا في أعداد من قُتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، إذ قيل ثماني مئة ألف، وقيل ألف ألف وثماني مئة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس. في هذا العام أخذ التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها.

نهاية مذلة لابن العلقمي

أما عن نهاية ابن العلقمي، فقد أجمع المؤرخون على أنها كانت مذلة ومهينة، إذ قال الذهبي إنه بعد انتقامه من الخليفة ومن كان يكنّ لهم العداء، ذاق الهوان، وبقي يركب كديشاً وحده، بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب سلطان، فمات غبناً وغماً، وفي الآخرة أشد خزياً وأشد تنكيلاً.

فيما قال ابن كثير إنه “حصل له من الإهانة في أيامهم والقلة والذلة وزوال ستر الله، ما لا يحد ولا يوصف”، وروى عن امرأة رأته وهو راكب في أيام التتار برذوناً (الركب مثل الجواد)، وسائق يضرب فرسه، فوقفت إلى جانبه، وقالت: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه، وانقطع في داره إلى أن مات كمداً في مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر 63 سنة، وقد سمع بأذنيه ورأى بعينيه من الإهانة من التتار والمسلمين ما لا يوصف، وتولى بعده ولده الوزارة قبل وفاته بعد فترة وجيزة.

عربي بوست

اقرأ أيضا: كان يُسمى ببحر الروم.. “البحر الأبيض المتوسط” والسرُّ وراء تسميته!

قد يعجبك ايضا