قُتل حبيبها بيد العثمانيين فعملت جاسوسةً لبريطانيا! “ملكة الصحراء” التي ساهمت في تأسيس العراق الحديث

- الإعلانات -

قُتل حبيبها بيد العثمانيين فعملت جاسوسةً لبريطانيا! “ملكة الصحراء” التي ساهمت في تأسيس العراق الحديث

“الخاتون”، و”ملكة الصحراء”، و”صانعة الملوك”، و”مؤسسة العراق”. كل هذه الألقاب كانت لسيدةٍ إنجليزيةٍ واحدة، إسمها الحقيقي “جيرترود بيل” أو “مس بيل” ولدت لعائلةٍ ثرية في بريطانيا لكنها فضّلت العيش في الصحراء وبين الرمال تنقّب عن آثار حضارات وادي الرافدين.

ثم سخرت علمها وما اكتسبته من خبرة في تلك المنطقة وشعبها لخدمة الحكومة البريطانية وعملت جاسوسة في المخابرات البريطانية. بينما يراها البعض شخصية أحبت العراق، وعملت من أجل شعبه وبناء دولة حديثة على أرضه، وبذلت مجهوداً للمحافظة على آثاره.

مس بيل.. أول امرأة تتخرج من جامعة أكسفورد في قسم التاريخ

ولدت “جيرترود مارجريت لوثيان بيل” في 14 يوليو/تموز عام 1868 في كانتري دورهام، بإنجلترا، وكان والدها السير “هيو بيل” رجلاً صناعياً ثرياً. توفيت والدتها ماريا شيلد عندما كان عمر “جيرترود” 3 سنوات فقط وتزوَّج والدها مرةً أخرى من سيدةٍ لعبت دوراً كبيراً في دعمها.

لاحظت زوجة أبيها أن “جيرترود” عندما لم تكن تقرأ أو تكتب كانت تنخرط في العديد من “السلوكيات الشقية”؛ مثل تسلُّق المنحدرات شديدة الانحدار أو تسلّق ارتفاعات أخرى، بدت مختلفة تماماً عن الفتيات اللاتي ارتبطت بهن؛ ولذا قرر والداها إرسالها إلى مدرسةٍ داخلية لتغيير سلوكها.

خلال سنوات الدراسة تفوّقت بيل كثيراً حتى طلبت من والدها السماح لها بمواصلة تعليمها في جامعة “أكسفورد”، التي كانت قد سمحت حينها ببرنامج يشمل الإناث، وأصبحت بيل أول امرأة تتخرج في جامعة أكسفورد في قسم التاريخ في عام 1888.

النقطة المفصلية الأخرى في حياة “مس بيل”، حين سافرت إلى إيران في عام 1892 لزيارة عمها السير “فرانك لاسيليس” السفير البريطاني في طهران، في هذه المرحلة، درست “بيل” اللغتين العربية والفارسية، بعد أن أتقنت بالفعل العديد من اللغات الأخرى بما في ذلك الفرنسية والألمانية والإيطالية والتركية.

وفي عام 1899 زارت فلسطين وسوريا وتوقفت في مدينتي القدس ودمشق التاريخيَّتين، وخلال رحلاتها، بدأت في التعرف على الشعوب التي تعيش في المنطقة.

وفاة الرجل الذي تحب على يد العثمانيين

كان أول رجل وقعت في غرامه “مس بيل” هو هنري كادوغان، وهو عضو في السلك الدبلوماسي البريطاني التقت به أثناء زيارتها لإيران عام 1892، وكانا يشتركان في حب الأدب. لسوء حظ بيل، رفض والدها زواجهما واعترض على عادة القمار لدى “كادوغان” والديون المصاحبة لها.

أصبحت بيل لاحقاً مفتونة بالضابط البريطاني “ديك دوتي ويلي”، مع أنه كان متزوجاً، وتبادلت “مس بيل” و”ديك دوتي ويلي” العديد من الرسائل، للتعبير عن عاطفتهما تجاه بعضهما البعض. أرادت بيل أن يترك “دوتي وايلي” زوجته من أجلها، لكنّ زوجته هددته بالانتحار إن فعل ذلك.

انتهت تلك القصة عندما مات “وايلي” في معركة “جناق قلعة” في عام 1915 على أيدي العثمانيين، وبحسب بعض المؤرخين، كان ذلك أحد دوافع تحركها ضد الدولة العثمانية وانخراطها في العمل السياسي لصالح الحكومة البريطانية.

جيرترود بيل تتعاون مع “لورنس العرب”

عملت “مس بيل” مع “تي إي لورانس”، المعروف باسم “لورنس العرب” وجواسيس آخرين في عملية استخباراتية في القاهرة أثناء الحرب العالمية الأولى، عُرفت باسم “المكتب العربي”، وكان المكتب أحد أقسام المخابرات البريطانية في القاهرة.

وكان الغرض منه جمع المعلومات الاستخبارية، ونشر الدعاية في المناطق العربية والشرق الأوسط، وجمع وتحليل المعلومات لمساعدة البريطانيين في طرد الإمبراطورية العثمانية من المنطقة.

عانى البريطانيون من عدة هزائم عسكرية، لكن “لورانس” وضع استراتيجية جديدة، أراد تجنيد الشعوب العربية لمحاربة العثمانيين، وساعدته بيل في حشد الدعم لهذا الجهد.

اتصل البريطانيون بالشريف حسين في الحجاز، ووعدوه بالسلاح والمستشارين إذا قاد ثورة ضد العثمانيين، وأن البريطانيين بعد الانتصار في الحرب، سيمنحون “حق تقرير المصير” للعرب.

قام “ديفيد هوغارث”، مدير المكتب العربي، لاحقاً بتقدير جيرترود بيل لجهودها في نجاح الثورة العربية من خلال توفير “كتلة من المعلومات” حول “العناصر القبلية، وشدد هوغارث على أن هذه المعلومات هي التي استخدمها لورانس العرب لاحقاً”.

الاحتلال البريطاني للعراق

في 10 مارس/آذار 1917، استولت القوات البريطانية على بغداد، وقرر المندوب السامي السير “بيرسي كوكس” استدعاء “مس بيل” للانضمام إليه في منصب السكرتير، بسبب معرفتها باللغة العربية ومعرفة ثقافة وتاريخ الشعوب في المنطقة، وجعلها تعمل حلقة وصل بين البريطانيين وقادة القبائل في المنطقة.

تقول مؤلفة كتاب ملكة الصحراء “جورجينا هاول” عن “لورانس العرب” و”مس بيل”: “إن هؤلاء المستعربين المثاليين الذين شُكِّلوا على عجل في “المكتب العربي” البريطاني كانوا ملتزمين موضوعياً بعيش كذبة، كانوا يعلمون أن الوعود التي أعطيت للقبائل العربية بتقرير المصير في نهاية الحرب إذا انضممت إلينا ضد الأتراك قد قُطعت من أجل كسرها. وكان الكذب مشهوراً للغاية بالنسبة للورانس، لكن “جيرترود بيل” كانت مصممة على الوفاء بجزء من الوعد”.

كتبت مس بيل “تقرير المصير في بلاد ما بين النهرين”، وهي ورقة منحتها مقعداً في مؤتمر السلام عام 1919 في باريس. وشاركت في مؤتمر عام 1921 في القاهرة مع “ونستون تشرشل”، وزير المستعمرات البريطانية آنذاك وساهمت أيضاً في اختيار” فيصل الأول” ملكاً للعراق.

وكتبت إلى والدها في 1921: “لقد قضيت صباحاً جيداً في المكتب وأنا أرسم الحدود الصحراوية الجنوبية للعراق”، وكانت تقصد حدود العراق مع المملكة الأردن والمملكة السعودية.

لم يتجاهل الملك “فيصل الأول” الجهود التي بذلتها “مس بيل” لاختياره ملكاً، وعينها وكيل وزارة في الإدارة العراقية، وفي عام 1922، ساعدت في إنشاء “المتحف الوطني” في بغداد، وبدأت بيل شخصياً في تجميع الآثار التي تم التنقيب عنها بواسطة علماء الآثار الأوروبيين والأمريكيين الذين وصلوا بعد الحرب، لمنع إخراجها من البلاد.

لكل ما سبق، عاملها الناس في العراق باحترام وأصبحوا يلقبونها “الخاتون”.

انتحار “خاتون بغداد”

بعد أن أصيبت “مس بيل” بالإرهاق، سافرت الى لندن عام 1925، ثم عادت إلى بغداد في وقتٍ لاحق من ذلك العام لكنها بقيت بعيدة عن السياسة، مدعية أنها كانت مرهقة للغاية. في يونيو/حزيران من عام 1926، ترأست افتتاح أول غرفة في متحف الآثار.

وفي 12 يوليو/تموز، وُجدت ميتة في سريرها بسبب جرعةٍ زائدة من الحبوب المنومة. ذكر التقرير الرسمي أن الجرعة الزائدة كانت عرضية، ولكن مصادر كثيرة تقول إنها انتحرت بعد أن عانت من الاكتئاب طوال حياتها.

دُفنت “مس بيل” في المقبرة البريطانية ببغداد، المدينة التي قضت وقتاً طويلاً بين أهلها، وحضر جنازتها مئات الأشخاص الذين جاؤوا لتقديم الاحترام للمرأة التي كانوا يعتبرونها الخاتون و”سيدة البلاط العظيمة” وأحد مؤسسي دولة العراق.

اقرأ ايضاً:معارك في السويداء .. وحشود مسلحة تهاجم فصيل راجي فلحوط

 

قد يعجبك ايضا