“القبار”… من رحم الطبيعة يولد رزق سكان ريف حمص الشرقي

- الإعلانات -

“القبار”… من رحم الطبيعة يولد رزق سكان ريف حمص الشرقي

مع خيوط شمس الصباح الأولى، تخرج أم حمادة برفقة عائلتها لجني ما تيسر لها من براعم “القبار” التي ستبيعها بعد الظهر لأحد التجار الوسطاء في البلدة.

تلتقي أم حمادة مع مجموعات قطاف أخرى وافدة من القرى القريبة، قبل أن يتوزع الجميع في بساتين ريف حمص الشرقي وسط سوريا، ولتبدأ بعدها عمليات قطاف “القبار” من الأراضي الزراعية وأطراف الطرقات وحتى حدائق المنازل الريفية.

خلال صيف السنوات الأخيرة، أصبح مشهد تجمعات القطاف في الأراضي الزراعية بريف حمص الشرقي، مألوفا للغاية.. مجاميع بشرية تلتقط حبات صغيرة من شجيرات خضراء، وعلى رؤوسهم أغطية للرأس تقيهم مخاطر الشمس الحارقة في هذا الوقت من العام، وفي يمناهم قفاز مطاطي يتسلل بين غصينات شجرة “القبار” المليئة بالأشواك لقطف ثمارها، قبل رميها في كيس أو عبوة صغيرة في اليد الأخرى.

عن سعيها للحصول على ما يساعدها لسد حاجات منزلها مع الارتفاع الكبير بتكاليف الحياة في بلدها، تقول أم حمادة لـ”سبوتنيك”: “أعيش في منطقة المخرم الفوقاني، وأخرج يومياً في الصباح الباكر وعند المساء مع أفراد عائلتي لجني القبار الذي ينمو بشكل طبيعي دون زراعة، ومن ثم نقوم ببيع ما جنيناه إلى مراكز التجميع”.

يعمل الكثير من سكان بادية ريف حمص الشرقي في جني “القـبار” الذي يشكل مصدر رزق للسكان المحليين خلال موسم قطافه الممتد من شهر أيار حتى أواخر شهر آب.
وينتشر القبار بكثافة على مساحة واسعة من بادية المحافظة التي تتوسط سوريا، بدءا من أراضي بلدة المشرفة شرقاً باتجاه منطقة المخرم ومحيطها، وشمالاً إلى منطقة السليمة بريف حماه.

كما ينمو “القبار” الذي تحول إلى مصدر دخل خلال سنوات الحرب على سوريا في مناطق جغرافية محلية أخرى، وبعدما كان يعمل في جنيه عدد قليل من سكان المحليات، فإن ظروف الحياة وتوقف العمل في الأراضي الزراعية، وعدم القدرة على تربية المواشي في المراعي التي سيطرت عليها المجموعات الإرهابية في المنطقة خلال تلك السنوات، دفعت الكثيرين للعمل والاعتماد على “القبار”، ليصبح موسماً سنوياً اقتصاديا ينتظره السكان والمزارعون على الرغم من استئناف العمل في الكثير من الأراضي الزراعية بعد دحر التنظيمات الإرهابية عنها.

أم حمادة ترى أن “للقبار فضل كبير على أسرتها، لما يقدمه من مردود مادي، يكفي عائلاتها من طعام وشراب و لباس مشيرة إلى أن الدخل الشهري من جني ثمار القبار أفضل من راتب موظف، ويصل يومياً إلى حوالي 40 ألف ليرة سورية من خلال عملها مع أفراد عائلتها، لحوالي ثلاث ساعات في الصباح ومثلها في المساء خلال أشهر الصيف، حيث يجمعون ما يقارب 5 كليو يومياً مبينة أن الفرد يمكنه جني كيلو إلى اثنين يوميا وذلك بحسب قدرته و كثافة القبار وثماره”.

بعد جمع ثمار القبار يتم بيعها إلى معتمد وسيط (مراكز تجميع صغيرة) وبدوره يقوم ببيعها إلى مركز التجميع و التسويق في مدينة المخرم، حيث يتم فرزه حسب النمرة (ثمرة صغيرة أو كبيرة) ووضعه في براميل، مع إضافة المياه والملح وثم نقله إلى اللاذقية، ليصدر لاحقا إلى دول أوربية.

وينتشر القبار في الأراضي الجافة وعلى جوانب الطرقات وينمو بشكل طبيعي ويعرف بأسماء متعددة (الكبّار أو الشفلح والكبر والاصف) وهو شجيرة صغيرة برية مقاومة للجفاف تعطي أزهاراً وردية بيضاء كبيرة وثماراً خضراء وبعد نضجها تنشطر كاشفة عن لب أحمر يحتوي على كمية كبيرة من البذور.

وقال المهندس صفوان الحسن رئيس دائرة الزراعة في المخرم لوكالة “سبوتنيك”: “القبار نبتة برية تتبع للفصيلة القبارية، وهي شجيرة حراجية تنمو بشكل طبيعي في أراضي ريف حمص الشرقي، وخاصة في منطقة المخرم ومحيطها موضحاً أنها تشكل مصدر رزق ومردود مادي جيد للسكان المحليين”، مبيناً أن “موسم قطافها يمتد لثلاثة أشهر من شهر آيار حتى أواخر شهر آب لافتاً إلى أنه كلما ارتفعت درجات الحرارة تعطي الشجيرة نمواً أفضل”.

وأوضح الحسن أن “عملية جني القبار، تتركز على البراعم الصغيرة قبل تفتح الزهر، وكلما كانت صغيرة يرتفع سعر الكيلو الواحد منها ليصل إلى 8 آلاف ليرة سورية مبيناً أنه بعد القطاف يتم بيعها إلى مراكز تجميع صغيرة، متوزعة في جميع قرى المنطقة، التي تقوم بغربلة القبار ووضعه في المياه والملح، ثم تقوم بجلبها إلى مركز الفرز الرئيسي في مدينة المخرم، ليصار إلى فرزها ووضعها في براميل ونقلها إلى المُصدر مشيراً إلى أن زهر القبار يعتبر ملاذا لمربي النحل، حيث تشكل مناطق نموه الواسعة مرعى خصب للنحل ويعد عسل القبار من أغلى وأفضل أنواع العسل”.

يقدر متوسط إنتاج محصول القبار في حمص، سنوياً بنحو 3 آلاف طن، ويصل سعر الكيلو غرام الواحد من البراعم الزهرية الصغيرة وهي المفضلة تسويقيا ما يقارب 8 آلاف ليرة سورية بينما يباع في الخارج بأضعاف سعره في سوريا.

و يبقى سر استخدامات القبار في الصناعات الطبية مجهولا، وفي سوريا لا يوجد دراسات عنه، ولكن عدداً من الاختصاصين يشيرون إلى استخدامه في صناعة مستحضرات التجميل والصناعات الدوائية، مع بقاء السر لدى المصنعين، ويستخدم في الطب البديل كعلاج للسكري وأمراض الظهر والصدر وغيرها من الأمراض، إضافة إلى قيمته الغذائية ونكهته عند إضافته لبعض الأطعمة (السمك)، كما يصنع منه مخلل القبار.

سبوتنيك

اقرأ ايضاً:حريق ضخم داخل مستوطنة “إسرائيلية” في الجولان السوري المحتل… شاهد

 

قد يعجبك ايضا