بوتين وإردوغان.. بعد سوريا الآن ليبيا

- الإعلانات -

بوتين وإردوغان.. بعد سوريا الآن ليبيا

حسني محلي

بانشغال الدول والقوى الإقليمية والدولية في الحرب الأوكرانية، والآن في التوتّر الأميركي-الصيني في تايوان، وحديثاً في غزة، أعلنت المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي ستيفاني وليامز استقالتها من منصبها بعد أن اعترفت بفشلها في تحقيق المصالحة الوطنية بصيغتها النهائية.

وليامز وبمهمتها الأولى كقائم بأعمال مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، كانت قد أدّت دوراً خفياً وعلنياً في انتخاب عبد الحميد الدبيبة (لم يكن معروفاً قبل ذلك) كرئيس لمجلس الوزراء في مؤتمر الحوار الوطني الليبي في جنيف في الخامس من آذار/مارس 2021. وكلّف المؤتمر الدبيبة الإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية في 24 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه بعد أن تعهّد الدبيبة ورئيس مجلس الرئاسة محمد المنفي ومساعداه بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة.

لكن الدبيبة لم يلتزم ذلك، ورشّح نفسه للانتخابات، التي ساهم بقوة في تأجيلها بل إلغائها، وذلك بدعم مباشر، وغير مباشر من وليامز التي كانت طوال الفترة الماضية منحازة إلى جانب الدبيبة وهو بدوره منحاز إلى جانب الفصائل الإسلامية المختلفة التي تسيطر على طرابلس وغربي البلاد بدعم مباشر من تركيا التي دفعت جيشها إلى ليبيا كما هي نقلت نحو 15 ألفاً من المرتزقة السوريين إلى هناك.

كل ذلك أمام أنظار العالم ووليامز التي لم تفعل أي شيء للضغط على حكومة الدبيبة لإجبارها على تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه في اجتماع جنيف فيما يتعلق بإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

انحياز وليامز هذا إلى جانب الدبيبة والدول التي تدعمه كأميركا وبريطانيا وألمانيا كان السبب في الخلاف المستمر في مجلس الأمن الدولي حول تسمية الشخص الذي سيخلفها كمستشار للأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي بعد أن أخفق أعضاء المجلس في انتخاب مبعوث أممي جديد إلى ليبيا خلفاً للبناني غسان سلامة الذي استقال من منصبه في آذار/مارس 2020. ومنذ استقالة يان كوبيتش، في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أخفق مجلس الأمن في انتخاب مبعوث دولي جديد ليكون الزيمبابوي ريزدون زينينغا، منسقاً موقّتاً لبعثة الأمم المتحدة، والقائم بأعمال رئيس البعثة التي أوكلت مهامه إلى وليامز بصفتها مستشار الأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي.

والان يجري تداول أسماء عدة لتولي منصب مبعوث أممي إلى ليبيا، أبرزها الجزائري صبري بوقادوم، والألماني كريستيان بوك المدعوم أميركياً وأوروبياً.

بوقادوم الذي كان وزيراً للخارجية، ومندوباً لبلاده لدى الأمم المتحدة يقال إنه خبير بالشأن الليبي. واقترح الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، على مجلس الأمن، تعيين بوقادوم مبعوثاً له إلى ليبيا، خصوصاً أنه مدعوم من الجزائر وإيطاليا التي استعمرت ليبيا في الحقبة ما بين 1911-1943 وهي الآن تتعاون مع تركيا في ليبيا.

وذكرت وسائل إعلام غربية أن الإمارات العضو غير الدائم في مجلس الأمن، ولسبب غير معلن وبشكل مفاجئ رفضت وحدها هذا التعيين، فيما ترفض موسكو وبكين تعيين الألماني كريستيان بوك لهذا المنصب. وصادف كل ذلك التقارب التركي-الإماراتي في ليبيا ومن دون أن يكون واضحاً هدف هذا التقارب، خصوصاً أن أبو ظبي كانت منذ البدء إلى جانب القاهرة في تصدّيها للدور التركي في ليبيا بعد اتفاقية ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 في ظل حكومة فايز السراج التي كانت مدعومة من تركيا كما هي الحال الآن مع حكومة الدبيبة.

وكان البرلمان الليبي في طبرق قد اختار فتحي باشاغا خلفاً له في الخامس من شباط/فبراير الماضي بعد التوصل إلى اتفاق مفاجئ بين خليفة حفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح مع باشاغا، وكان محسوباً هو الآخر على تركيا بسبب أصوله التركية العثمانية، إذ سبق للرئيس إردوغان أن قال إن ” في ليبيا ما لا يقل عن مليون من أصول تركية، وهم من بقايا العثمانيين الذين حكموا ليبيا في الفترة ما بين 1551-1911 قبل أن تتحول لبيا إلى مستعمرة إيطالية”.

ولم يكن انتخاب باشاغا كافياً لمعالجة الوضع المعقد في ليبيا بسبب رفض الدبيبة تسليم السلطة لباشاغا المقيم في سرت الذي أخفق في دخول طرابلس التي يسيطر عليها عدد من الفصائل المسلحة التي تهرّب باشاغا، وهو وزير داخلية سابق في حكومة السراج له كثير من الأتباع المسلحين في مصراتة، من مواجهتهم لأسباب عديدة.

في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة طرابلس اشتباكات متقطعة بين عدد من الفصائل المسلحة، ومعظمها متطرّف وجميعها تحت مظلة الإخوان المسلمين ومدعوم من أنقرة في جميع المجالات. خصوصاً بعد أن نسي أو تناسى العالم الحديث إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، والمقصود بها الجيش التركي والمرتزقة السوريين، ولم تتحدث عنهم وليامز منذ فترة طويلة لا سيما بعدما نجح الدبيبة وأتباعه في تأجيل بل إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة في 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي وبتشجيع من وليامز.

الدبلوماسية الأميركية وليامز ذات النفس الاستخباري كانت قد شغلت مناصب عديدة في الشرق الأوسط، ومنها نائب رئيس البعثة الأميركية في بغداد للفترة ما بين عامي 2016-2017. وكانت قبل ذلك في الأردن في الفترة ما بين عامي 2013-2015 والبحرين ما بين عامي 2010-2013 وكانت القائم بأعمال السفارة الأميركية في طرابلس عام 2018 بعد أن عملت في سوريا والإمارات والكويت وباكستان، إضافة إلى وظائفها المهمة في الخارجية الأميركية. وتتوقع المعلومات أن تُكلّف مهام جديدة في المنطقة في إطار سياسات الرئيس بايدن الخاصة بالشرق الأوسط، بما في ذلك احتمالات تعيينها سفيرة لبلادها في الرياض (سفيرة السعودية في واشنطن امرأة وهي ريما بنت الاستخباراتي الخطر بندر بن سلطان الذي كان سفيراً لبلاده هناك طوال 22 عاماً) التي سيفتح بايدن معها صفحة جديدة بعد قرار بيع صواريخ باتريوت لها كخطوة أولى على طريق إبعادها عن الصين وروسيا، وستلحق بها خطوات جديدة قريباً.

وربما لهذا السبب تطرّق البيان المشترك لقمة سوتشي بين إردوغان وبوتين فجأة إلى موضوع ليبيا، إذ أكد الزعيمان “التزامهما الراسخ سيادة ليبيا ووحدة أراضيها ووحدتها الوطنية وضرورة إجراء انتخابات حرة وعادلة وذات صدقية على أساس أوسع توافق ممكن بين الليبيين”، وجدّدا دعمهما “للعملية السياسية المتواصلة برعاية الأمم المتحدة ومبنية على الدور القيادي لليبيين”.

وهو التأكيد المشترك بينهما دائماً بالجمل والعبارات نفسها فيما يتعلق بسوريا التي لم تشهد ساحتها أي تطورات إيجابية مع ترسيخ الوجود التركيّ هناك، كما هي الحال في ليبيا التي تنتشر فيها القوات التركية والمرتزقة السوريون ومسلحو شركة فاغنر الروسية جنباً الى جنب مع عشرات الآلاف من مسلحي الفصائل الإسلامية المختلفة المعتدلة منها والمتطرفة، وجميعاً تأتمر بأوامر أنقرة كما هي الحال في سوريا، وأثبتت قمة سوتشي أنها، أي سوريا، لم تعد ضمن أولويات الزعيمين بوتين وإردوغان، والله أعلم بما يدور في أذهانهما!

الميادين

قد يعجبك ايضا