“سري للغاية”.. هل يملك الرئيس الأمريكي سلطة رفع السرية عن المعلومات النووية؟

- الإعلانات -

“سري للغاية”.. هل يملك الرئيس الأمريكي سلطة رفع السرية عن المعلومات النووية؟

أثارت مداهمة قوات من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI منتجع الرئيس السابق دونالد ترامب تساؤلات حول طبيعة الوثائق التي تصنف “سري للغاية”، خاصةً تلك المعلومات النووية، فمن يتحكم في نظام التصنيف “العجيب”؟

كانت مداهمة منتجع مارالاغو، وهو منزل الرئيس السابق، ولا تزال الحدث الأبرز داخل وخارج الولايات المتحدة، في الغارة التي وقعت الإثنين 8 أغسطس/آب، سابقة لم تحدث في التاريخ، إذ قامت قوات الأمن بمداهمة مقر إقامة ترامب وفتَّشته وصادرت عشرات الصناديق من الوثائق، التي تحمل تصنيف “سري للغاية”.

ترامب ملاحَق من جانب الأجهزة القضائية الفيدرالية لعدد من الأسباب، منها ما يتعلق بالتهرب الضريبي ومنها ما يتعلق باقتحام أنصاره الكونغرس الأمريكي يوم 6 يناير/كانون الثاني 2021، لكن تلك الغارة التي نفذتها قوات مكتب التحقيقات الفيدرالي غير مرتبطة بأي من ذلك، بل بشأن نقل الرئيس السابق مستندات مصنفة على أنها “سرية للغاية” من مكانها داخل البيت الأبيض إلى منزله الخاص.

كيف يتم تصنيف وثيقة على أنها “سرية للغاية”؟

نشرت مجلة The Atlantic الأمريكية تقريراً عنوانه “حتى الرئيس لا يمكنه رفع السرية عن المعلومات النووية”، رصد كيفية تصنيف الوثائق في الولايات المتحدة والصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس وغيره من كبار المسؤولين، يتضح منها مدى تعقيد ذلك النظام، الذي تنفرد به واشنطن.

إذ إن نظام تصنيف الوثائق المعمول به في السلطة التنفيذية الأمريكية يعد من أغرب مظاهر الحكومة الأمريكية، ويبدو في بعض الأحيان أن أفضل من يفهمونه هم من لديهم خلفية في الممارسات الدينية المبهمة- مثل الأسرار اللاهوتية المقدسة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية- وليس الصحفيون أو المحامون.

فبعض المسؤولين يتمتعون بـ”سلطة أصلية في تحديد السرية”، أي يمكنهم تصنيف الوثائق في بند السرية دون اعتبار التصنيف السابق؛ وبعضهم يمكنه تصنيف الوثائق ولكنهم يستمدون سلطتهم من آخرين، ويمكن حرمانك من هذه السلطة لأسباب مختلفة. لكن سلطة إضافة السرية ونزعها تأتي مباشرة من شخص يتمتع بسلطة شبه مطلقة، وهذا الشخص كان لأربع سنوات دونالد ترامب. وهذه السلطة المذهلة التي كان يتمتع بها ستحميه من التقاضي، ولكن بدرجة محدودة.

ينادي اليسار الأمريكي منذ عقود بالحد من الإفراط في إدراج الوثائق تحت بند السرية، وهذا جزئياً على أساس أن الأسرار كثيرة لدرجة أن لا أحد، فضلاً عن ترامب، سيلتزم بجميع قواعد السرية.

والوثائق التي تصنفها الحكومة الأمريكية تحت بند السرية ربما تكون أكثر من غير السرية في أي مكتبة بأي مكان. وعام 2004، حسب عالم الفيزياء بيتر غاليسون كمية الوثائق السرية كل عام ووجد أن “الصفحات المضافة لبند السرية خمسة أضعاف المضافة لمخزون المعرفة الإنسانية الذي يضم جميع الكتب والمجلات عن أي موضوع بأي لغة على كوكب الأرض”.

وبيانات الحكومة السرية أكبر بكل تأكيد من غير السرية في مكتبة الكونغرس بأكملها. والأخطاء قد تُرتكب، خاصة من المسؤولين الذين لا يكترثون دون خجل بأبسط القواعد.

المعلومات النووية.. أسرار من نوع خاص

لكن رسائل المعجبين والصور شيء وأكواد إطلاق الأسلحة النووية شيء آخر، وهنا تحدد تفاصيل السرية درجة المتاعب التي يواجهها ترامب. إذ يرى خبراء الأمن أن مصادرة وثائق حكومية سرية من منتجع الرئيس السابق مترامي الأطراف في مارالاغو تسلط الضوء على مخاوف الأمن القومي المستمرة التي يشكلها الرئيس السابق ومنزله الذي أطلق عليه اسم البيت الأبيض الشتوي.

ويخضع ترامب لتحقيق فيدرالي حول انتهاكات محتملة لقانون التجسس الذي يجرّم تقديم المعلومات لدولة أخرى أو إساءة التعامل مع معلومات دفاعية أمريكية أو تبادلها مع غير المخولين بذلك، وفقاً لأمر التفتيش القضائي.

وعندما كان رئيساً، كشف ترامب أحياناً عن معلومات بغض النظر عن حساسيتها. وفي بداية فترته الرئاسية، قدم بشكل عفويٍّ معلومات بالغة السرية لوزير الخارجية الروسي حول عملية من المقرر تنفيذها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في أثناء وجوده بالمكتب البيضاوي، حسبما قال مسؤولون أمريكيون في ذلك الوقت.

ولكن في منتجع مارالاغو، الذي يشهد فناء ناديه حضور أعضاء من النخبة حفلات زفاف وعشاء يملؤها المرح، تبدو المعلومات المخابراتية الأمريكية معرضة للخطر بشكل خاص. وبينما وفرت الخدمة السرية الأمن المادي للمكان في أثناء تولي ترامب الرئاسة وتواصل هذا الدور حتى الآن، فهي ليست مسؤولة عن فحص هؤلاء الضيوف.

وقالت الخدمة السرية عندما كان ترامب في منصبه، إنها لا تحدد من الذي يُسمح له بالدخول إلى النادي لكنها تفحص الزائرين للتأكد من عدم إحضار أي شخص أشياء محظورة، كما تجري فحوص إضافية للضيوف الذين سيكونون على مقربة من الرئيس وغيره من الأشخاص المشمولين بالحماية.

وقالت ماري ماكورد المسؤولة السابقة بوزارة العدل، إن مذكرة التفتيش الصادرة عن وزارة العدل تثير مخاوف متعلقة بالأمن القومي. وأضافت لرويترز: “من الواضح أنهم اعتقدوا أن استعادة هذه المواد إلى فضاء آمن أمر مهم جداً… حتى مجرد الاحتفاظ بوثائق سرية للغاية في مخزن غير لائق يخلق تهديداً كبيراً للأمن القومي، لا سيما بالنظر إلى مارالاغو التي يرتادها زوار أجانب وغيرهم ممن قد تكون لهم صلات بحكومات أجنبية ووكلاء أجانب”.

ترامب.. هل يملك سلطات مطلقة؟

في البداية، لنركز على الجزء المطلق من السلطة شبه المطلقة. أكدت قضية Navy v. Egan في المحكمة العليا أن سلطة السرية تأتي مباشرة من الرئيس عدا في بعض الحالات المنفصلة عن صلاحياته التي حددها القانون، بحسب تقرير المجلة الأمريكية.

وهنا يأتي الجزء اللاهوتي: فبإمكان الرئيس تصنيف الوثائق سرية أو غير سرية بمجرد التعبير عن رغبته في ذلك. وهذه السلطة الغريبة مذهلة لدرجة أن الحكومة خصصت مكتباً للتعامل معها وهو “مكتب مراقبة أمن المعلومات” الذي ربما لم يسمع عنه أحد.

ويؤكد جي وليام لينارد، الذي كان يرأس هذا المكتب في عهد الرئيس جورج بوش الابن، غياب القيود على سلطة رئيسه. ويقول لينارد إنه صحيح أن الرئيس رئيس، “لكن قواعد وإجراءات فرض السرية ورفعها عن المعلومات تنطبق على الآخرين جميعاً”. وهذا يعني أن ترامب ربما رفع السرية عن أي وثائق أرادها (بقيود معينة، سنناقشها لاحقاً) قبل نقلها إلى مارالاغو.

ولن يكون مضطراً إلى تقديم طلبات وأوراق، وإنما الاكتفاء بـ”التلفظ بالكلمات السحرية”، على حد تعبير لينارد. فربما اكتفى بالتلويح بيده لشاحنة النقل المتجهة إلى فلوريدا لتُرفع السرية عن أي وثائق بداخلها.

لكن لينارد نبّه إلى محاذير مهمة. أولاً، أن سلطة ترامب لرفع السرية انتهت مع انتهاء رئاسته. وثانياً، أن الوثائق التي تحملها الشاحنة ربما أعاد إليها السرية شخص آخر. وثالثاً، توجد وثائق معينة لا يستطيع الرؤساء إضافة السرية إليها أو رفعها عنها حسب رغبتهم. ومن ضمن هذه الوثائق هوية الجواسيس.

ومن ضمنها أيضاً الأسرار النووية. بل أضاف قانونا الطاقة الذرية لعامي 1946 و1954 فئة أشد غرابة للمعلومات السرية. فأي شيء متعلق بإنتاج أو استخدام الأسلحة النووية والطاقة النووية سري بطبيعته.

ومهما تلفظ ترامب من كلمات، فستظل سرية. أين رؤوسنا الحربية النووية؟ ما الذي فعلناه لنتأكد من فعاليتها؟ كلها معلومات “سرية بالطبيعة” أياً كان مصدرها. والقيود على الوثائق من هذا النوع قوية بدرجة يصعب وصفها. فلو تفتق ذهن ترامب، وهذا مستبعد، عن طريقة جديدة لتخصيب اليورانيوم، ونقشها على منديل كوكتيل في مارالاغو مطلع هذا العام، فهذا المنديل يصبح في الحال وثيقة سرية تخضع لقيود وإجراءات عديدة، وربما يكون من غير القانوني أن يكون بحوزة الرئيس السابق.

ولو كان ترامب يحتفظ بأسرار نووية في مخزن ناديه، دون حتى أن يهتم بإضافة قفل إليها، ورفض محاولات تأمينها من المتسللين والجواسيس، فربما يتحرك القضاء لملاحقته. ففي النهاية هو الرئيس السابق وليس البابا.

أما من وجهة نظر ترامب، فالقصة كلها “اضطهاد سياسي”. إذ قال الرئيس السابق، في بيان على منصته للتواصل الاجتماعي، إن السجلات “رُفعت عنها السرية” ووضعت في “مخزن آمن”.

غير أن ماكورد قالت لرويترز إنها لا ترى “مبرراً معقولاً لقراره الواعي رفع السرية عن كل (وثيقة) منفردة منها قبل رحيله”. وأضافت أنه بعد رحيله عن المنصب، لم تعد لديه القدرة على رفع السرية عن المعلومات.

وتشكل مصادرة أفراد مكتب التحقيقات الاتحادي مجموعات متعددة من الوثائق وعشرات الصناديق، ومنها معلومات حول شؤون الدفاع بالولايات المتحدة وإشارة إلى “الرئيس الفرنسي”، سيناريو مخيفاً لمجتمع المخابرات.

وقال ضابط سابق في المخابرات الأمريكية لرويترز: “بيئة التعامل الحذِر مع المعلومات بالغة السرية مخيفة جداً… إنها كابوس”.

لم تقدم وزارة العدل معلومات محددة حول كيفية ومكان تخزين المستندات والصور، ولكن جرى توثيق نقاط الضعف العامة للمنتجع بشكل جيد.

كيف تعامل ترامب مع أمور “الحرب”؟

في إحدى الوقائع البارزة، اجتمع ترامب في عام 2017 مع رئيس الوزراء الياباني آنذاك شينزو آبي، على مائدة عشاء في الهواء الطلق، بينما كان الضيوف يتحركون في القرب ويسمعون ويلتقطون الصور التي نشروها لاحقاً على تويتر.

وتخلل العشاء تجربة صاروخية لكوريا الشمالية، وكان الضيوف يسمعون بينما كان ترامب وآبي يفكران فيما سيقولان رداً على ذلك. وبعد إصدار بيان، حضر ترامب حفل زفاف في نادي المنتجع.

وقال مارك زيد، المحامي المتخصص في قضايا الأمن القومي: “ما رأيناه هو أن ترامب كان متساهلاً في الأمن لدرجة أنه كان يعقد اجتماعاً حساساً بشأن موضوع حرب محتملة في مكان يمكن فيه لموظفين حكوميين غير أمريكيين المراقبة والتصوير… كان من السهل على أن يكون بحوزة أحدهم أيضاً جهاز يتنصت على ما كان يقوله ترامب ويسجله أيضاً”.

وقال شون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض إبان زيارة آبي، للصحفيين لاحقاً، إن ترامب تلقى إفادة بشأن تجربة كوريا الشمالية الصاروخية بغرفة آمنة في مارالاغو، وقلل من أهمية ما حدث في فناء المنتجع.

وأضاف: “في هذه اللحظة وكما هو واضح، جرى التقاط إحدى الصور التي جعلت الجميع يقفزون إلى استنتاجات شائنة حول ما جرى وما لم تجر مناقشته”.

ومضى قائلاً: “كان هناك ببساطةٍ نقاش حول الخدمات اللوجستية المقدمة للصحفيين ومكان استضافة الحدث”.

وكانت هذه الغرفة الآمنة هي المكان نفسه الذي قرر فيه ترامب شن غارات جوية على سوريا لاستخدامها أسلحة كيماوية في أبريل/نيسان 2017.

وجرى اتخاذ هذا القرار بينما كان ترامب يستعد لتناول العشاء مع الرئيس الصيني الزائر شي جين بينغ. وعندما كان يتناول قطعة من كعكة الشوكولاتة، أبلغ ترامب شي بالضربات الجوية.

وفي عام 2019، قالت السلطات إنها ألقت القبض على امرأة صينية اجتازت نقاط التفتيش الأمنية في المنتجع بينما كان في حوزتها وحدة ذاكرة عليها برمجيات “ضارة”، واتهمتها بدخول ملكية خاصة محظورة والإدلاء بمعلومات كاذبة للمسؤولين.

وبادر جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك، بمحاولة وضع قيود على من يمكنهم الدخول إلى ترامب في مارالاغو، لكن جهوده باءت بالفشل، لأن ترامب رفض أن يتعاون في هذا الأمر.

اقرأ ايضاً:الدول الغربية تتقدم بعرض لفصل المعارضة السورية عن تركيا

 

قد يعجبك ايضا