هل تضحّي أنقرة بـ”الجيش السّوري الحرّ” قبل التّطبيع مع دمشق؟

- الإعلانات -

هل تضحّي أنقرة بـ”الجيش السّوري الحرّ” قبل التّطبيع مع دمشق؟

سركيس قصارجيان

اعتبر مراقبون في تركيا تصريحات وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو التي كشف فيها للرأي العام عن محادثة أجراها مع نظيره السوري فيصل المقداد في تشرين الأول (أكتوبر) 2021 تحوّلاً لافتاً، وخصوصاً أن هذه المكاشفة جاءت في وقت تتكرر المزاعم بشأن قرب التأسيس لحوار سياسي بين أنقرة ودمشق، وعزم تركيا تغيير سياستها تجاه سوريا.

بالمقابل، تسببت هذه التصريحات بردود أفعال متباينة بين مرحّب بها ورافض لها في تركيا، حيث باتت الأزمة السورية أول الملفّات المؤثرة في السياسة الداخلية، بالإضافة إلى خروج تظاهرات في عدد من المناطق الواقعة تحت سيطرة أنقرة في الشمال السوري والرافضة للتوجّه التركي الجديد، فيما التزمت دمشق الصمت.

تصريحات مفاجئة مجدداً
تصريحات جاويش أوغلو جاءت رداً على سؤال صحافي تركي حول صحة المعلومات التي وردت في صحيفة “تركيا” الموالية للحكومة بشأن احتمال حدوث محادثة هاتفية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره السوري بشار الأسد قريباً، وهو ما لم يؤكده الوزير التركي لكنه لم ينفه أيضاً، على الرغم من نفي دمشق عبر القنوات الإعلامية “صحة المعلومات حول احتمالية الاتصال”.

تزامن هذه التصريحات مع التقارير الإعلامية التركية وبعض وسائل الإعلام الأجنبية قبل قمة سوتشي وبعدها بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي بداية الشهر الجاري، بما فيها عما قاله أردوغان على متن الطائرة خلال العودة إلى أنقرة، عزّز التوقّعات بشأن حدوث اتّصال رسمي بين أنقرة ودمشق خلال الأيام المقبلة.

وترى الصحافية التركية المختصة بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هدية ليفينت، في تصريحات إلى “النهار العربي”، أن “الوجود العسكري للجيشين التركي والسوري الحر في شمال سوريا كان دائماً يشكّل ورقة للمساومة المستقبلية. ومع تقرير صحيفة “تركيا” وتصريحات جاويش أوغلو، يحاول حزب العدالة والتنمية التأكد من أن الأوراق التي في يده لا تزال قوية”.

وقالت: “في النهاية، لم يقل جاويش أوغلو شيئاً جديداً، لكن توقيت التصريحات، التي جاءت بعد محادثتي طهران وسوتشي مهم في هذا السياق. من المؤكد أن أنقرة لم تحصل على الضوء الأخضر الذي تريده، إضافة إلى أن روسيا وإيران تريدان انسحاب تركيا من سوريا. لهذا السبب تريد أنقرة الخروج من هذا الملف بأكبر قدر ممكن من المكاسب”.

من جهتها، تنتهج دمشق سياسة تعتمد على استغلال عامل الزمن والضغط الذي يولّده على الحكومة التركية الحالية بالنسبة لمسار المصالحة. ومقابل إصرار الحكومة التركية على بث جو يوحي بقرب التطبيع معها، سواء عبر التسريبات من قبل وسائل الإعلام المقرّبة منها أو التصريحات، واصلت الحكومة السورية التزام الصمت.

وتؤكد ليفينت، العاملة في عدد من وسائل الإعلام التركية والعالمية الناطقة باللغة التركية، أن “دمشق بالتأكيد تلعب على الوقت. تركيا دخلت الأجواء الانتخابية بضغوط كبيرة على حزب العدالة والتنمية بسبب ملفي الاقتصاد وسوريا. لذا، كلّما طالت مدة القطيعة مع دمشق، زادت خسائر العدالة والتنمية. وتقول المعارضة إنها في حال فوزها في الانتخابات ستقوم بتطبيع علاقاتها مع الأسد، ما يعني أن لا مشكلة لدى دمشق بانتظار الانتخابات دون التوصّل إلى اتفاق مع السلطة الحالية”.

وتضيف هدية: “أيضاً، تهديدات أنقرة تجعل من المفاوضات بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) ودمشق إلزامية. بعبارة أخرى، استمرار التهديدات التركية يجبر قسد على التوجّه نحو دمشق بشكل أكبر”. وهي تعتقد أن الحكومة السورية ترى أنه “كلّما طالت فترة انتظار التطبيع فإن ضغوطها على العدالة والتنمية ستضطرها إلى تقديم المزيد من التنازلات” في ما خص الشروط التي تعلنها أنقرة حالياً لإنجاز ذلك.

وعُقد آخر اجتماع رسمي بين تركيا وسوريا على مستوى وزراء الخارجية بعد اندلاع الحرب السورية غداة زيارة وزير الخارجية التركي آنذاك أحمد داود أوغلو لدمشق في آب (أغسطس) 2011. كما التقى داود أوغلو في حينه الأسد، حيث أغلقت تركيا قنوات الحوار السياسي مع دمشق بعد ذلك.

ويعتبر غياب التوافق بين الحكومة السورية ونظيرتها التركية حول “مكافحة الإرهاب”، واستمرار عدم اليقين بشأن مصير 3,7 ملايين لاجئ سوري مقيم في تركيا وفق الإحصاءات الرسمية، وتحوّل هاتين المسألتين إلى شأن تركي وأدوات في السياسة الداخلية من أهم معوّقات نجاح مسار العملية السياسية بين أنقرة ودمشق.

في الفترة الأولى من الحرب السورية، قدّمت تركيا دعماً قوياً للمجموعات المسلّحة الهادفة إلى إسقاط الأسد، لكنّها خففت من حجم هذا الدعم وشكله بعد عام 2015، عندما قررت موسكو التدخل في سوريا عسكرياً. ومع انطلاق مسار أستانا في عام 2017، تخلّت تركيا تماماً عن خطاب “على الأسد أن يرحل” محاولة التركيز على معالجة أزمتي الأمن واللاجئين المتزايدتين.

المعارضة السوريّة مستاءة
وردّت الميليشيات السورية التابعة لأنقرة على تصريحات وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو حول “المصالحة بين النظام والمعارضة” بخروج تظاهرات عقب التصريحات، ليل الخميس، في مناطق سيطرتها، وخاصة في المدن الكبرى مثل أعزاز والباب وجرابلس، والتي شهدت إطلاق شعارات ضد تركيا وأردوغان وإحراق العلم التركي، بالإضافة إلى التعرّض للمواقع والآليات العسكرية التركية.

وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا مشاهد الاحتجاجات بكثافة، ما كشف استياءً واسعاً للناشطين الأتراك، الذين أبدوا ردود فعل قاسية، وعنصرية في الكثير من الأحيان، ضد ظاهرة إحراق علم بلادهم خاصة.

وفيما تراجعت حدّة الغضب من تركيا في الاحتجاجات التي خرجت غداة صلاة الجمعة، والتي ركّزت في شعاراتها ولافتاتها على رفض المصالحة دون التعرّض لرموز تركيا السياسية أو السيادية، حرصت قيادات الميليشيات المنضوية تحت لواء “الجيش الوطني” الذي أسسته أنقرة، على طمأنة الرأي العام التركي وامتصاص غضبه من خلال نشر تغريدات تؤكد “قدسية العلم التركي”، متوعّدة بمحاسبة القائمين على “مؤامرة التحريض”.

وبالتزامن مع تداول الإعلام التركي الموالي للحكومة مثل هذه التغريدات، في محاولة للحد من الانتقادات التي طالت أنقرة بسبب سياسات دعم المعارضة السورية “الخائنة والغدّارة”، حسب توصيفات بعض المعارضين، أكد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في تغريدة نشرها عبر حسابه التزام بلاده بدعم المعارضة السورية حتى النهاية، متّهماً “حزب العمال الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب” بدس المؤامرات في المناطق المذكورة، وذلك رداً على ما يبدو على تغريدة لرئيس حزب النصر التركي اليميني المتطرف أوميت أوزداغ الرافض لسياسات احتضان المعارضة والمطالب بإعادة السوريين إلى بلادهم.

وترى ليفينت التي عملت كصحافية في العديد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان والعراق ومصر وغيرها، أن “رد فعل عناصر الجيش السوري الحر تجاه تركيا في تصاعد منذ مدّة. وأعتقد أنّهم باتوا قلقين في العامين الأخيرين من تراجع الدعم المالي واللوجستي وحتى السياسي التركي لهم. هناك خوف على مصيرهم في حال توصّل أنقرة ودمشق إلى السلام”.

كما تشير ليفينت إلى أن “ردود الأفعال تلك لم تؤثر على قرار أنقرة بل زادت من أزمة العدالة والتنمية. كانت هناك معارضة قوية لسياسات أنقرة إزاء سوريا من قبل، وتسبب حرق العلم، الذي يعتبر مقدّساً في تركيا، ورجم المركبات العسكرية بالحجارة في وقت فقد الكثير من الجنود الأتراك حياتهم في هذه المناطق، بصدمة ورد فعل كبيرين في تركيا. لن أتفاجأ إذا حاول حزب العدالة والتنمية التخلص من جماعة الجيش السوري الحر حتى قبل تقديم تنازلات لدمشق”.

أنقرة ستتفاوض مع دمشق والخليج راغب بذلك
وحول احتمال تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، تقول ليفينت: “أعتقد أن العدالة والتنمية، كما السعودية وإسرائيل ومصر، سيتفاوض مع الأسد أيضاً، فالسياسة الخارجية تعود إلى سابق عهدها بعد مغادرتها للحدود الدبلوماسية لفترة طويلة، لكن أعتقد أن دمشق لن تكون في عجلة من أمرها للتفاوض مع أنقرة”.

كان تركيز وسائل الإعلام العربية التي تمولها قطر في تركيا على الاحتجاجات وتأكيد “رفض سكان المناطق المحررة للمصالحة” في إشارة إلى مدن وبلدات الشمال السوري الواقعة تحت سيطرة تركيا لافتاً للانتباه، وأثار شكوكاً في تباين محتمل للآراء بين الدوحة وأنقرة في ما يخص الملف السوري.

لكن على رغم انفتاح دمشق على العمق العربي والخليجي تحديداً، إلا أن المبادرات العربية تبدو بطيئة للغاية حيالها، بحكم الضغوط الأميركية والغربية حسب التوقّعات، وهو ما يزيد من احتمالات أن تسهم أي خطوة تطبيعية من أنقرة، القوة الثانية في الناتو والشريكة في العديد من المجالس التابعة للاتحاد الأوروبي، باتجاه دمشق، في تسريع الخطوات العربية أيضاً.

تبدو دول الخليج، عدا قطر، أيضاً غير مرتاحة للوجود التركي في سوريا، لكنها ترى فيه أداة لموازنة النفوذ الإيراني، لذا فإن انتقاداتها لهذا الوجود توصف بالخجولة عامة. وتعتقد ليفينت أن “دول الخليج راغبة في تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، لأنه على سبيل المثال، بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، ستكون راغبة في ضمان الأمن في سوريا من أجل الاطمئنان على سلامة الطرق البرّية (التي تربط تركيا بالإمارات) لتنشيط الحركة التجارية، وما إلى ذلك من المشاريع الاقتصادية”.

وفي المقابل، “أعتقد أن أوروبا ليست متحمّسة لهذا التطبيع لأنه قد يؤدي إلى ظهور آلاف اللاجئين، وخاصة من جماعة الجيش الحر، فيما تبدو الولايات المتحدة مركّزة على تطورات شرق الفرات، وغير آبهة بغربه”.
النهار العربي

قد يعجبك ايضا