من يمنع إيران من “العتبة النووية”؟

- الإعلانات -

من يمنع إيران من “العتبة النووية”؟

أثار التعامل الإيراني مع الرد الأميركي على المقترح الأوروبي لإحياء الاتفاق النووي المُوقّع عام 2015 أو تجديده، الكثير من التساؤلات حول موقف طهران الذي بدا للمراقبين أنّها تطلب المُستحيل من واشنطن في شأن الضمانات والتنازلات مع إدراكها المُسبق أنه يتعذّر الحصول عليها! وفَحوى الردّ الإيراني القاطع على الردّ الأميركي، أنّ طهران متمسّكة بالحصول على ضمانات بعدم انسحاب الرئيس الأميركي المقبل “بعد رحيل جو بايدن” من الصفقة، وبإقناع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية بالتخلّي عن اتّهام إيران بخرق تعهّداتها النوويّة التي نصّ عليها اتفاق 2015. وتُدرك إيران جيّداً أن من المُتعذر لأسباب دستوريّة إلزام الإدارة الأميركية المُقبلة بعدم الانسحاب من الاتفاق،

فضلاً عن أن تراجع الوكالة الذرّية عن شُكوكها في شأن “عسكرة” البرنامج النووي الإيراني، يُداني الطعن بصدقيّة الهيئة الدوليّة المُولجة بمراقبة سلميّة هذا البرنامج وتسجيل سابقة تصبّ في مصلحة إيران لاحقاً. من هنا الإشكاليّة التي تشغل المراقبين والخبراء في العلاقات الدوليّة: ماذا تُريد إيران بعد تحصيلها مطالب عدّة، وتحديداً إزالة العقوبات غير المرتبطة مباشرة بالبرنامج النووي؟ هل تُريد كسب المزيد من الوقت للاقتراب من “العتبة النووية”؟ هل تراجعت فاعلية الضغوط الأميركية إلى درجة تسمح لإيران باعتماد خيار “التفاوض من أجل التفاوض”؟ عملية ليّ الأذرع يُستدلّ من عملية الأخذ والرد التي تناولت مُسوّدة التسوية التي طرحها جوزيب بُوريل منسّق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي عقب تعثّر مفاوضات فيينا، أن إيران تُريد الحفاظ على قُدراتها النووية الحالية لكي تضمن العودة سريعاً إلى عمليّة تخصيب اليورانيوم بمستوياتها الراهنة،

في حال أخلّت الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بالتزاماتهما مثلما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2018. وهذا ما يلاقي معارضة شديدة من الأميركيين الذين يركّزون في محاولتهم احتواء تطور التكنولوجيا النووية التي تملكها إيران على لجم اندفاعها نحو “العتبة النووية” من طريق زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بفضل الأجيال الجديدة المتطوّرة لأجهزة الطرد المركزي. كما تُريد إيران تجميع الجيل الجديد من أجهزة الطرد المركزي في مُستودع تحت إشراف الوكالة الدولة للطاقة الذرّية. في المقابل، يُصرّ الأميركيون على تدمير هذه الأجهزة وإعادة القدرة النووية الإيرانية إلى مستواها عام 2015، أي نسبة التخصيب المنخفضة وهي 3.67 في المئة، إلى جانب التخلص من 120 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة، وهذه الكمّية يُفترض أن تُنقل إلى روسيا حسب بنود اتفاق 2015.

أمّا المسألة الحسّاسة فهي اشتراط طهران إغلاق ملف اتهامات الوكالة الذرّية في شأن المواقع الثلاثة المشتبه بها، بينما تريد واشنطن إطلاق يد الوكالة الذرّية لمراقبة المنشآت النوويّة الإيرانيّة، بما في ذلك إعادة تشغيل كاميرات المراقبة الدائمة التابعة للوكالة، خصوصاً في منشآت تخصيب اليورانيوم. وكانت السلطات الإيرانية كرّرت في الآونة الأخيرة مطلبها بأن تقفل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ملف المواقع الإيرانية الثلاثة التي يُشتبه في أنها شهدت أنشطة نووية غير مُصرّح بها، كما دعت الإدارة الأميركية إلى التخلّي عن مطالبها “المفرطة”، مذكّرةً بأن المواضيع التي تهمّها في المفاوضات تشمل الضمانات ورفع العقوبات مع التحقق من ذلك، وإغلاق ملف المسألة العالقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بلوغ العتبة وتُوحي النتائج السلبيّة للمفاوضات النوويّة الطويلة في فيينا، ثمّ الفجوة بين المقاربتَين الإيرانيّة والأميركيّة التي كشفتها المبادرة الأوروبية، بأنّ برنامج التخصيب النووي الإيراني سوف يستمر بوتائر عالية، تُحدّد لطهران ما يُمكن أن تُقدِم عليه من خطوات في ظلّ تغطية روسية من دون أن يستلزم ذلك تكبّد أكلاف باهظة. ولم يَعُد من الصعب التصوّر أنّ المشروع النووي الإيراني قد أوشَك على بُلوغ “العتبة النووية”، خصوصاً أنه يسود اعتقاد بأنّ هناك مَرافق اختباريّة تتّصل برفع مستوى التخصيب إلى ما فوق مستوى 60 في المئة.

كذلك ليس صعباً فَهْم سرّ السلوك المُعقّد للمفاوض الإيراني، وتالياً الاستنتاج أنه لا يمكن إسقاط خيار الردع النووي في وجه التهديدات الإسرائيلية المتواصلة. وليس سرّاً أنّ الجمهورية الإسلامية أنفقت الكثير من الأموال من أجل بناء وتطوير البنية طوال ما يُقارب 4 عقود من الزمن. وقد تميّز العمل في البرنامج النووي الإيراني بالاستمراريّة والتقدّم التدريجي وسط الأزمات والحصار الأميركي ومحاولات التخريب الإسرائيلية، ما أكسب هذا المشروع بُعداً قوميّاً استراتيجيّاً يتّصل بالإجماع الوطني على إنجازه. ومن شأن امتلاك القدرة النووية أن يُظهر بأنّ إيران التي أعلنت أنها تملك التقنيات اللازمة لصنع قنبلة نووية لكنها تتجنّب ذلك، باتت قوّة إقليميّة متقدّمة علميّاً وتكنولوجيّاً لكون مشروع من هذا النوع يفترض وجود قاعدة صناعيّة وعلميّة كبيرة وإمكانات اقتصاديّة وماليّة هائلة مرتبطة بمواردها من النفط والغاز، وكلّها عوامل تجعل عرقلة وصولها إلى التكنولوجيا النووية مهمّةٌ صعبة مثلما يَتبيّن من نتائج استراتيجيّة الاحتواء الأميركية.

وفي سياق مشحون بالانتظار واختبار النيات، اتهم الأوروبيون إيران بعدم الاستفادة من الفرصة التي وفّرتها مبادرة بروكسل لاحياء الاتفاق النووي وذلك لمواصلة تصعيد البرنامج النووي. وجاء ذلك في بيان ثلاثي مشترك لفرنسا وألمانيا وبريطانيا تحدث عن “قرار إيران عدم التقاط الفرصة الديبلوماسية الحاسمة” التي تمثلت في التغييرات الإضافية التي ادخلها منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل مطلع شهر اب/أغسطس الماضي في”رزمة من النصوص النهائية” ترمي إلى إعادة الولايات المتحدة الأميركية إلى الاتفاق النووي، مقابل التزام إيران مستويات التخصيب المنخفض التي نصّت عليها بنود “خطة العمل المشترك الشاملة”. وربط التقويم الأوروبي ـ اللافت بتجاهله التردد الأميركي في اتخاذ قرار بانتظار الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف المقبل ـ التصعيد النووي الإيراني بطلب طهران المتكرر إغلاق ملف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في آثار يورانيوم مخصب في ثلاثة مواقع غير مرخص بها.

غير أن طهران ترى أنّ لا شيء سوى السياسات الأميركية الخاطئة يمنعها من حق الاستفادة من الفوائد الاقتصاديّة التي ينصّ عليها اتفاق 2015 المعروف بـ”خطة العمل المشتركة الشاملة”، ومن ضمنها رفع الحظر على المصارف لكي تتمكن إيران من العودة إلى أسواق التجارة الدولية، واستعادة عائدات بيع النفط ومليارات الدولارات المحتجزة في البنوك الأجنبية، فضلاً عن ضمانات بعدم تهديد الشركات الراغبة بالاستثمار في إيران، ووضع آليات عملية تحُول دون ذلك. وقد تمّ تجاوز مطلب إزالة الحرس الثوري الذي يُمثّل العمود الفقري في حماية النظام الإيراني، من لائحة الإرهاب الأميركيّة، عبر تسوية تُتيح للشركات الاقتصاديّة التابع لجهاز الحرس بالعمل من خلال شركات إيرانيّة غير مشمولة بالقائمة الأميركيّة للحظر.

ميشال نوفل_ 180Post

 

اقرأ ايضاً:سوريا تفرض عقوبات على شركات أميركية وإسرائيلية

 

قد يعجبك ايضا