ما يحدث وما لا يحدث بين دمشق وكردها

- الإعلانات -

ما يحدث وما لا يحدث بين دمشق وكردها

عقيل سعيد محفوض

يبدو الكرد بلا بوصلة تقريباً. ثمة عدم يقين حادّ حيال ما يجري في البلاد والإقليم. وكلما دخلوا في مبادرة أو رهان، أو حتى معركة أو مواجهة، خرجوا منها بمزيد من الإحباط واللايقين، وبدوا كما لو أن بوصلتهم غير قادرة على الاستقرار على جهة بعينها. الجهة التي يريدونها لا تريدهم، والجهة التي تريدهم لا يريدونها.

بوصلة الكرد، أو بداهتهم اليوم، لا توجّههم إلى أي مكان تقريباً، أو أنها تتأرجح بين اتجاهين رئيسَين: واشنطن ودمشق. اتجاهان متعاكسان، لكنهما متلازمان كردياً، كما لو أن كلاً منهما سبب للآخر. يذهب الكردي نحو أميركا، مدفوعاً بمخاوف على الإدارة الذاتية من دمشق، والعكس صحيح؛ أي أنه يذهب نحو دمشق، عندما تتخلى أميركا عنه، وخصوصاً حيال تركيا.

ويشعر الكرد بأنهم كلما اقتربوا من طرف ابتعدوا عن الآخر، وكلما زاد اعتمادهم على طرف، وعملوا من أجله، ضاق ما يمكنهم أن يعملوه لأنفسهم، وضاقت فرص المداولة والمساومة، ليس حيال الطرف الآخر فحسب، وإنما حيال من يراهنون عليه هو نفسه أيضاً. ما أصعبها هذه المفاضلة!

لكنْ، دعونا نركّز على “ما يحدث وما لا يحدث بين دمشق وكردها”. ما الدروب المسلوكة وغير المسلوكة بينهما؟ وما الذي يُعَوّق التقارب، ويدفع إلى الافتراق أو الصدام؟ وهل تتحمّل واشنطن وحدها مسؤولية ذلك، أم ثمة عوامل أخرى، يجب إيلاؤها الاهتمام المطلوب؟

يقول الكرد إن واشنطن هي القوة الوحيدة التي أمكنهم التعويل عليها في مواجهة “داعش”، وقدّمت الكرد بصفتهم قوة تحرر وتحديث وعلمنة وديمقراطية، يمكن التعويل عليها في محاربة الإرهاب، في إقليم يشهد استقطاباً حاداً، دينياً وطائفياً وسياسياً. كما أنها دعمتهم ضد تركيا. وهي القوة التي تحمي “الإدارة الذاتية” من اندفاعة سورية محتملة من أجل تفكيك هذه الإدارة والعودة بالأمور إلى ما قبل عام 2011.

ولا يغيب عن أهل الرأي والعقل لدى الكرد أن التعويل على أميركا لا يمكن إلّا أن يكون موقّتاً، وعرضياً، ولا مستقبل له، فضلاً عن أن أثمانه كبيرة، ولن يكون من السهل تعويضها. وإن الإدارة الذاتية ليست أهم من أفغانستان، وقد غادرتها الأخيرة، بتفاهم مع “أشقاء داعش” نفسها. كما أنها إذ لم تَحمِ الإدارة من بعض التهديدات التركية، بحيث مكّنت أنقرة من السيطرة على عفرين ومناطق أخرى شرقي الفرات، وهي مناطق كانت تحت سيطرة “قسد”.

عندما تواجه الكردي بكلام من هذا النوع، يقول لك إن دمشق لا تقدّم عرضاً ملائماً، وإنها ليست جادة في التعاطي مع الإدارة الكردية، وإنها مستعدة للتفاهم مع أنقرة من أجل تفكيكها، ولم تتقدّم خطوة واحدة في طريق دمشق – القامشلي، بل إنها تَصِمُ قادة “الإدارة الذاتية” و”قسد” بـ”العملاء لأميركا”. يقول الكرد إن دمشق مهتمة بالنفط والقمح في منطقة الجزيرة، وإن 80 في المئة من مداولات المسؤولين الحكوميين معهم تركّز على ذلك.

ترى دمشق أن الكيانية أو الإدارة الذاتية هي إعلان من طرف واحد، وأنها قدّمت إلى الكرد الدعم، عسكرياً ومادياً، ضد “داعش” و”المجلس الوطني الكردي” المقرّب إلى تركيا، لكنهم نقضوا العهود والثقة وتاريخَ العلاقة بين دمشق و”حزب العمال الكردستاني” في تركيا، وهو الحركة الأم لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي”، الذي أسس “الإدارة الذاتية”. واتجهوا نحو واشنطن، وأصبحوا “ذراعاً” و”ذريعة” لها في سوريا. وإن الكرد لن يحصدوا إلّا الخيبة. والمشكلة أن الخيبات المتكررة من التعويل الكردي على أميركا، لم تَزِدْهم إلّا تمسكاً بها. مسألة ملغزة بالفعل!

تبدو دمشق باباً أو خياراً اضطرارياً، تزيد مؤشرات الاتجاه نحوها، عندما يشعر الكرد بأن واشنطن أكثر قرباً من أنقرة، والعكس. وهكذا، عندما أعلنت واشنطن – في وقت سابق – قرار الانسحاب، زادت في المخاوف لدى قادة “الإدارة الذاتية”، الأمر الذي دفعها إلى التواصل مع دمشق. لكن، مع تأكيد واشنطن بقاءها شرقي سوريا، غيّر الكردُ اتجاههم، أو أنهم قلّلوا أهمية الحوار مع دمشق.

ثمة “بارومتران” للمخاوف لدى الكرد: الأول، هو “بارومتر” الموقف بين واشنطن وأنقرة، والثاني هو “بارومتر” الموقف بين دمشق وأنقرة. والملاحَظ أن الكرد أكثر احتجاجاً على الثاني، ولا يكاد يُسمع لهم صوت تجاه الأول. أمر آخر ملغز فعلاً!

يتسابق الكرد وتركيا إلى “إغواء” الولايات المتحدة، التي يفترض كل من الطرفين أنها حليفة قوية له، ومن الصعب أن تتخلى عنه. لم يتعلم الكرد من درس الانسحاب الأميركي من أفغانستان، ولا درس الإعلان السابق بشأن الانسحاب من شرقي الفرات، ولم يتعلموا من دروس الاتفاق الأميركي مع تركيا. ولم يتعلم الترك من دروس الدعم الأميركي للقوات الكردية، ولا من التهديد بتدمير الاقتصاد التركي.

ثمة “جاذبية” لدى أميركا لا تقوى عليها تركيا ولا الإدارة الكردية، وإذا استمعتَ إلى الطرفين فإنك تجدهما يُكْثِران من انتقاد أميركا، ويعبّران عن عدم ثقة بتوجهاتها، لكن هذا لا يغيّر تعويلَهما عليها. أمر ثالث ملغز فعلاً!

يتصرّف الكرد حيال دمشق كما لو أنهم “دولة”، ويريدون مداولات متكافئة في الرمزية والمعنى والقوة، وهذا أمر من الصعب على دمشق أن تفعله. وهي، إذ ترفع حدة الخطاب، سياسياً وإعلامياً، حيال قادة “الإدارة الذاتية”، فليس لأنها تعدّ الكرد أعداء أو “الإدارة الذاتية” عدواً. تقول دمشق: إن فك الارتباط بأميركا هو “شرط” لـ”حلحلة” كل شيء، و”تفكيك جميع العقد” التي تحول دون التواصل والتوصل إلى “خريطة طريق” ملائمة لأوضاع البلاد اليوم. الأولوية اليوم هي للدولة، مع المخاوف المتزايدة على وحدتها ووجودها. والأمور الخلافية ليست ثانوية، لكنها أقل أولوية، باعتبار الظروف اليوم.

لدى دمشق وكردها من يقرأ السياسات ويدقق فيها ويرسمها، ويشكّل الأولويات والرهانات، ولا بدّ من التواصل بين الطرفين، على نحو متلائم من الوعي والفهم والجدية؛ جدية التحديات والمخاطر التي تواجه سوريا والإقليم ككل. وإنما ليس مركزاً في مقابل هامش، وإنما شركاء همهم الرئيس هو العمل معاً، من أجل حل المشكلات العالقة، في أفق مجتمع ودولة سوريَّين، وتأجيل النقاط الأكثر خلافية إلى مرحلة لاحقة.

الميادين

قد يعجبك ايضا