رفاهية المواطنين لم تتأثَّر رغم الركود! كيف تتفرد اليابان حتى في أزماتها الاقتصادية؟

- الإعلانات -

رفاهية المواطنين لم تتأثَّر رغم الركود! كيف تتفرد اليابان حتى في أزماتها الاقتصادية؟

«كوكب اليابان» تسمية دارجة في عالمنا العربي تدل على فرادة هذه الدولة الآسيوية. كل شيءٍ مختلف في اليابان، ابتداءً من الصورة النمطية عن انضباط اليابانيين في أعمالهم، إلى معجزتهم الاقتصادية بعد قنبلة ذرية أحرقت الأرض ومن عليها.

تمتلك اليابان اقتصادًا ضخمًا يضعها في المرتبة الثالثة عالميًّا سابقة جميع الدول الأوروبية، وتعد حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة جدًّا تقارب أربعة أضعافها في الصين، ولديها تحالف عسكري واقتصادي وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي.

ورغم هذه المكانة، يُعاني الاقتصاد الياباني من «الركود – Stagnation» منذ تسعينيات القرن الماضي، وتفشل محاولات اليابان للخروج من هذه الحالة. وبسبب الركود تعد اليابان صاحبة أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم، بنسبة تزيد على 250%.

فما قصة الاقتصاد الياباني؟ وكيف يستطيع الصمود والبقاء بوصفه واحدًا من أفضل اقتصادات العالم؟ وكيف تنهار اقتصادات دول أخرى عند نسب ركود أقل بكثير بينما يبقى الاقتصاد الياباني بمأمن من التعثر؟

الاقتصاد الياباني من المعجزة إلى الركود

يختصر البعض ما حصل لليابان خلال الحرب العالمية الثانية بتفجير القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناجازاكي، ولكنَّ الحرب حملت أحداثًا لا تقل بشاعة عن هذين التفجيرين، أبرزها القصف الأمريكي على العاصمة طوكيو، والذي قُتل فيه قرابة 100 ألف مدني ياباني، ودمرت المدينة وبنيتها التحتية الصناعية كاملة. وانتهت الحرب العالمية بخسارة الاقتصاد الياباني قطاعاته بشكل شبه كامل، مثل قطاع صناعة الفولاذ.

وأعادت هذه المأساة اليابان أكثر من عقدين إلى الوراء وفق معيار حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وتظهر البيانات تأخر اقتصادها مقارنةً بالاقتصادين الأمريكي والبريطاني بشكلٍ كبير.

انتهت الحرب العالمية الثانية، ودخل العالم فترة الحرب الباردة التي شهدت تغير السياسة الأمريكية تجاه اليابان، ودفعت الحرب الكورية عام 1950 الولايات المتحدة للبحث عن حلفاء في آسيا، وكان هذا حجر الأساس للمعجزة الاقتصادية اليابانية، بالإضافة إلى عوامل أخرى

سيدة يابانية تبحث بين الأنقاض في مدينة هيروشيما اليابانية بعد ضرب الولايات المتحدة القنبلة النووية

ويمكن تلخيص المعجزة الاقتصادية اليابانية بتتبع حصة الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي عبر السنوات، عندما بدأ الاقتصاد الياباني بالنمو بمعدلات مرتفعة بلغت أكثر من ضعفي نظيراتها في الغرب، حتى وصلت اليابان إلى حصة فرد تبلغ 95% من قيمتها في المملكة المتحدة، و70% تقريبًا من قيمتها في الولايات المتحدة، بعد أن كانت بعد الحرب لا تتجاوز 20% من الدخل في البلدين.

واستمر الصعود الياباني حتى عام 1991، مع وصول حصة الفرد ذلك العام إلى 120% من حصة الفرد في المملكة المتحدة، و85% من حصته في الولايات المتحدة الأمريكية.

يتفق الجميع على حصول المعجزة، لكن التفسيرات تتباين عن كيفية حصولها؛ ويمكن القول بعاملين رئيسيين يتفق عليهما الجميع: الأول أن المعجزة الاقتصادية اليابانية كانت بشكل ما استكمالًا لمسار تنمية وتطور اقتصادي سابق للحرب، فاليابان وإن تدمر جزء كبير من بنيتها المادية، فإن خبراتها وهياكلها الإدارية ظلت موجودة بعد الحرب.

أما العامل الثاني الموقف الغربي من اليابان، وهو الأساس الذي يتفرع منه عوامل أخرى كثيرة لهذه المعجزة؛ فالولايات المتحدة كانت «إمبراطورية مقنعة»، واليابان إحدى مستعمراتها، وكان للجنرال الأمريكي دوجلاس ماكارثار سلطة عليا في البلاد، فهو من كتب دستور البلاد الحالي في تسعة أيام فقط. ومع توطيد العلاقات، سمح الغرب لتدفق التكنولوجيا إلى اليابان والاستفادة منها

النمو لا يدوم إلى الأبد!

وفق منطق الدورة الاقتصادية، كان منطقيًّا بعد أكثر من أربعة عقود من النمو المستمر في اليابان، أن تؤول الأمور إلى الركود، وحتى في حالات الدمار الشبيهة باليابان، يستمر نمو الاقتصادات بعد الحروب حتى تصل إلى أقصى إمكاناتها.

لكن الحالة اليابانية امتازت أيضًا في ركودها؛ فعادةً ما ينتهي الركود بعد بضع سنوات، ويعود للنمو مرة أخرى. وهذا حال الاقتصادات المتقدمة عند مرورها بركود، يدفعها ذلك إلى استغلال قدراتها كاملة.

ورغم قوة الاقتصاد الياباني، فإنَّ حالة الركود مستمرة منذ عام 1991، حتى باتت تعرف هذه الفترة باسم «العقود اليابانية الضائعة»، بسبب التباطؤ الشديد للاقتصاد، فإذا كان يمكن تعريف الركود بتحقيق معدل نمو ضعيف يساوي 2% أو أقل من ذلك؛ فإن اليابان لم تحقق أعلى من هذه النسبة إلا ست مرات منذ عام 1991 وحتى اليوم، مع تحقيقها لنسبة 0% أو أقل في ستة أعوام أيضًا.

وبالمقارنة مع الولايات المتحدة فهذا عدد قليل جدًّا من السنوات؛ ففي الفترة نفسها حققت أمريكا نسبة أعلى من 2% في 21 عامًا، ولم تحقق نسبة تساوي 0% أو أقل إلا في ثلاثة أعوام فقط، فالركود الياباني فريد من نوعه بالفعل؛ على الأقل من حيث مدته واستمراره.

لماذا يستمر الركود لثلاثة عقود؟

ما زالت أزمة اليابان محل جدل اقتصادي حتى اللحظة؛ ولكن المدرستين الاقتصاديتين الرئيسيتين، الكينزية والنقدية، تحاولان تفسير استمرار الأزمة باستمرار المسببات التي تعتقد كل منهما أنها الأسباب المنطقية لحصول الركود، مع محاولة مدِّ هذا التفسير لملاءمة الحالة اليابانية تحديدًا.

تعتقد المدرسة الكينزية أن المسألة متعلقة بجانب الطلب من الاقتصاد؛ وتقول الاتجاهات الكينزية المختلفة إنَّ الركود الياباني الطويل، سينتهي في حال التغلب على صعوبات جانب الطلب، وأحد هذه التفسيرات هو «فخ السيولة».

يحدث فخ السيولة عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة جدًّا، بعدما يحاول البنك المركزي تقليل جاذبية الادخار ودفع الاستثمار خصوصًا عن طريق الاستدانة؛ لكن معدلات الادخار تبقى مرتفعة وتحديدًا عندما تُفقد الثقة بالاقتصاد وبالاستثمار فيه، ما يرفع معدلات الادخار حتى لو لم يكن ذلك منطقيًّا بسبب انخفاض أسعار الفائدة.

لكن الحالة اليابانية فريدة من هذه الناحية أيضًا؛ فليس منطقيًّا استمرار مثل هذا المؤثر لثلاثة عقود متواصلة، وأحد تفسيرات استمرار ارتفاع معدلات الادخار هي الأزمة الديموغرافية في اليابان، والتي تدفع معدلات الادخار للأعلى بسبب ضرورة تأمين مدخرات التقاعد.

وأما المدرسة الثانية الرئيسية في الاقتصاد هي «المدرسة النقدية» فتعزو الأزمة لمشكلة في عرض النقود في اليابان، وكلا التفسيرين يقول في النهاية إن على الدولة (أو البنك المركزي تحديدًا) تحفيز الطلب أو زيادة عرض النقود لحل الأزمة، ولكن اليابان حاولت فعل الأمرين دون أن تفلح، والتفسير الأخير أن تدخلات الدولة هي المشكلة ذاتها، وأن الدولة تنقذ قطاعات وفئات في الاقتصاد يجب التخلي عنها، وتركها لأنها هي ما يؤذي الاقتصاد.

فرادة الأزمة اليابانية.. البحث عن التضخم والرفاه والديون
ليست الأزمة اليابانية فريدة بسبب استمرارها لعقود ثلاثة وفقط؛ بل تكتسب فرادتها لأسباب مثل البحث عن التضخم هربًا من الانكماش، ومثل عدم مصاحبة الركود لحالة من التدهور في حالة الرفاه كما هو معتاد، وأخيرًا حالة الدين اليابانية الاستثنائية.

البحث عن التضخم

يعد التضخم عدو الرأي العام الأول، وهو من أكثر ما يمكن أن يقلق الساسة في الدول الديمقراطية، ومن أكثر ما يمكن أن يثير غضب المواطنين، وبسبب أزمة التضخم الحالية في العالم يعتقد أن التضخم أمر سيئ بالمطلق.

ولكن يوجد نسبة تضخم صحية أو مقبولة، تضمن استمرار النمو الاقتصادي، وعدم حصول الحالة النقيضة للتضخم والتي هي «الانكماش – Deflation»؛ والتي تنخفض فيها الأسعار في الاقتصاد ما يعني استفادة بعض الفئات منه، ولكن هذا الانكماش يصاحب حالة الركود في اليابان، ومن ثم فهي ظاهرة مضرة بالاقتصاد.

طوال العقود الثلاثة الماضية، كانت اليابان تحاول محاربة هذه الظاهرة، والمحافظة على نسبة التضخم الصحية (نحو 2%)، لدفع النمو في الاقتصاد وإخراجه من حالة الركود، ولكن هذه المحاولات ظلت تبوء بالفشل إلى بداية أزمة التضخم العالمية الحالية، حينها حققت اليابان أخيرًا معدلات تضخم إيجابية، ومن المتوقع أن تكون نسبتها 2%، ولكن هذا التضخم ليس التضخم المطلوب لدفع النمو، وإنما التضخم المدفوع بعوامل خارجية، والتي هي بطبيعة الحال العوامل المتعلقة بالجائحة والحرب الأوكرانية.

ولكن بعيدًا عن الواقع الحالي؛ بينما كان الكثيرون يهربون من التضخم ويحاولون التغلب عليه، كانت اليابان تحاول تحقيق التضخم لدفع معدلات النمو والخروج من الأزمة الاقتصادية، ولكن لماذا يعد التضخم الحالي نوعًا سيئًا من التضخم؟

ما كانت اليابان تحاول تحقيقه سابقًا يعرف باسم «التضخم المسحوب بالطلب – Demand-Pull Inflation»، وذلك عن طريق ضخ النقود في الاقتصاد، ما يعني شراء أكثر للسلع (طلب أكثر)، ويعني أرباحًا أكبر للشركات التي ستوظف المزيد، فتزيد قدرة الناس على الشراء أكثر وهكذا، ولكن اليابان فشلت في تحقيق هذا النوع من التضخم طوال العقود الثلاثة الماضية.

فمنذ عام 1992 لم تحقق اليابان أي معدل تضخم مساوٍ أو أعلى من 2% إلا في عام 2014، بل إن اليابان حققت تضخمًا سالبًا (Deflation) أو مساويًا للصفر في 14 عامًا في الفترة نفسها، رغم كل جهودها.

أما التضخم المتحقق اليوم فهو تضخم مدفوع بتكاليف الطاقة، وبعض السلع الغذائية بالدرجة الأولى، وهو نفسه التضخم السلبي الذي يعاني العالم منه بشكل عام، وبخلاف التضخم المسحوب بالطلب فإن هذا التضخم يعني شراء المواطنين لمنتجات أقل، ومن ثم يعني أثرًا أكبر في الطلب، ومن ثم مساهمة أكبر في الركود الياباني المستمر منذ مطلع التسعينيات.

«خرافة» العقود الضائعة!

بناء على ما تقدم فإن اليابان عاشت ثلاثة عقود ضائعة بسبب الركود، ولكن اليابانيين شعروا بمزيد من الاكتفاء، بينما في العادة سيشعر الناس بتدهور أحوالهم، ولذلك فإن الحالة اليابانية فيها نوع من التناقض ظاهريًّا على الأقل. فمؤشرات الاقتصاد تشير إلى ثلاثة عقود ضائعة، مع زيادة في رفاهية اليابانيين.

لنبدأ أولًا في معدلات التشغيل والتوظيف؛ عادة ما ترتفع معدلات البطالة في البلدان التي تعاني من الركود، ولكن هذه الحالة لا تنطبق على اليابان، فكما قارنا بين معدلات النمو في الولايات المتحدة واليابان، وظهر معنا أن الأولى كانت في وضع أفضل بكثير، يمكننا مقارنة حال البلدين من حيث معدل البطالة؛ لنرى أن اليابان حققت معدلات أقل من أمريكا في جميع السنوات بين عام 1991 إلى الآن، باستثناء بين عامي 1999 و2001.

قد يحصل ذلك أحيانًا في حالات الركود في ظاهرة تعرف باسم «العَامِل المُحبط – Discouraged Worker»، فمعدل البطالة يُحسب وفقًا لعدد العاطلين ومن تنطبق عليهم شروط محددة، مثل بحثهم المستمر عن عمل في الشهر الأخير، ومن الممكن أن تتسبب حالة الركود أو الانكماش بإحباط كثير من العمال، وخروجهم من قوة العمل بتوقفهم عن البحث، ومن ثم يظهر انخفاض معدل البطالة بشكل مضلل.

لكن الواقع هو قوة العمل اليابانية في ازدياد منذ بداية التسعينيات وبشكل شبه مستمر، أي أن الاقتصاد الياباني استطاع إبقاء معدلات البطالة منخفضة نسبيًّا رغم ازدياد الضغط على سوق العمل، ورفع أعداد الراغبين بالعمل، وهذا عكس ما حصل في الولايات المتحدة التي انخفضت فيها نسبة قوة العمل إلى السكان، أي أن الضغط على سوق العمل كان أقل في الولايات المتحدة مع ارتفاع معدل البطالة فيها مقارنة باليابان.

ولكن هذا ليس كل شيء؛ ففي بحث اسمه «إعادة توزيع السعادة: كيف ترسم السياسات الاجتماعية اكتفاءنا المعيشي» يفند الباحثان هيروشي أونو من اليابان وكرستين شولتز لي من الولايات المتحدة، الاعتقادات السائدة عن ضرورة شعور الناس باكتفاء ورفاه أقل في ظل الأزمات الاقتصادية، ويستخدمون اليابان دليلًا على هذه الإمكانية.

يظهر البحث الفرادة اليابانية التي قادتها الحكومة عن طريق تشكيل شبكة دعم اجتماعي بديلة عن نظام العائلة التقليدي، والتي لم تساهم فقط في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية على الفئات الاجتماعية، بل رفع نسبة الرفاهية والشعور بالاكتفاء أيضًا. وتركز الدعم الحكومي للفئات الأكثر تضررًا من الأزمة.

ومن المستغرب أنَّ حالة الاكتفاء والرفاه، لم تكن قائمة في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، والتي حققت فيها اليابان معدلات نمو أفضل، وهو مؤشر إلى أنَّ معدلات النمو وحدها ليست مقياسًا على رفاه المجتمع، وتوزيع الثورة فيه، بل إنَّ هذه المؤشرات الاقتصادية جميعها ليست كافية لقياس السعادة، والرفاه، والاكتفاء، وتستطيع الدول المساهمة تحسين هذه الأمور دون الحاجة لرفع الدخل والثروة.

لكن برامج الدعم الاجتماعي تكلف الدولة في نهاية المطاف كلفًا باهظة، ومن ثم يقابلها ثمن كبير، وهو الديون.

الأمة الأكثر استدانة في العالم

بسبب الأزمة الاقتصادية المستمرة في اليابان، والركود الطويل المستمر منذ ثلاثة عقود، وبسبب الحاجة لصرف المزيد ورفع عرض النقود لضخها في الاقتصاد بشكل مستمر دون جدوى، وما ذكرناه عن الدعم الاجتماعي؛ اضطرت الحكومة اليابانية لرفع مستوى ديونها بشكل كبير؛ حتى أصبحت الدولة الأكثر استدانة في العالم نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

تختلف التقديرات بخصوص نسبة الدين الياباني إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهذا الاختلاف طبيعي تبعًا لاختلاف التقديرات في الأرقام، واختلاف طرق احتساب الدين والناتج، لكن المؤكد أن الدين الياباني تجاوز ضعفي الناتج المحلي الإجمالي الياباني في عام 2020، وارتفع لاحقًا في عام 2021 دون وجود بيانات عن هذا العام في قاعدة بيانات البنك الدولي.

وهذه النسبة المخيفة تجاوزت نسب الديون في دول عانت من أزمات اقتصادية أعمق بكثير، بل إن هذه الأزمات تحولت إلى تعثرات وانهيارات اقتصادية كما كان الحال في اليونان ولبنان اللتين لم يصل فيهما الدين إلى 200% من الناتج المحلي الإجمالي، فكيف تستطيع اليابان فعل ذلك؟

عدا عن ضخامة الاقتصاد الياباني، وفاعليته وغيرها من العوامل التي تجعله «أكبر من أن يسقط»؛ هناك ما هو أهم في النظرية الاقتصادية، وتحديدًا في «النظرية النقدية الحديثة – Modern Monetary Theory»، والتي تقول إن الدول التي تستدين بعملتها (مثل اليابان والولايات المتحدة) تستطيع نظريًّا الاستدانة بلا قيود متعلقة بالسيولة، ببساطة لأن هذه الدول تطبع عملتها وتستطيع خلق النقود التي تحتاجها لدفع ما يترتب عليها من ديون.

ويجادل كثيرون بأن هذا حال اليابان، بل إن البعض يقول إن اليابان تستطيع أن تضخم دينها أكثر بكثير مما هو عليه الآن، ويقول آخرون إنه رغم فرادة اليابان في قدرتها على الاستدانة الكبيرة بعملتها المحلية، وقدرتها على طباعة عملتها وتحمل نسبة دين كبيرة؛ فإن ذلك لا يعني أنها تستطيع فعل ذلك إلى الأبد، بل يجادل هذا الفريق بأن اليابان مثل سفينة «تايتانيك» ضخمة متجهة نحو جبال جليدية مصيرها الغرق.

ووفقًا للاقتصادي الأمريكي مايكل بيتيس المختص بالشأن الصيني، في مقالة له على موقع معهد كارنيجي؛ فإن الكثيرين يسيئون فهم النظرية النقدية الجديدة، فالنظرية لا تقول إن الحكومات الموصوفة تستطيع الاستدانة بلا أي قيد وإلى الأبد، بل تقول إنه لا قيود مرتبطة بالسيولة (Liquidity Constraint) على الاستدانة للأبد؛ لكن هذا لا يعني عدم وجود قيود اقتصادية حقيقية، فهذه الحالة من الاستدانة الضخمة الممولة بطباعة النقود إذا لم تعكس نموًّا في الناتج المحلي الإجمالي، فعليها أن تعكس ضرر الاقتصاد.

إحدى هذه الحالات هي الحالة الشهيرة التي يرتفع فيها التضخم بشكل جنوني في الاقتصاد، هي الحالة التي حصلت في بعض الدول النامية بسبب طباعة النقود، ولكن بيتيس يقول إنها ليست الحالة الوحيدة الممكنة، ولكن أي حالة يمكن إنتاجها لن تكون حالة طبيعية ومتزنة في الاقتصاد، وقد تؤدي إلى تراكم المشكلة حتى انفجارها في النهاية.

في الختام، يمكن القول إن الأزمة المستمرة في اليابان، مع عدم انهيار الاقتصاد أو الشعور العام بالاكتفاء، فيه نوع من تأجيل الأزمة للمستقبل، فالدين في النهاية تعويل على إنتاج مستقبلي لم يحصل بعد؛ بما يجعلنا نستخدم موارد أكثر مما لدينا، على أمل زيادة الموارد عن حاجتنا في المستقبل لدفع ديوننا، فالوضع الحالي في اليابان هو ما سيرثه الأجيال اللاحقة، فإما أن يتحقق النمو بالفعل لاحقًا لتعويض ما فات، أو يدفع اليابانيون ثمن ما يحصل اليوم وما حصل في العقود الثلاثة الماضية.

ساسة بوست

اقرأ ايضاً:ما هو قانون نوبك” الذي يلوح به مشرعون أمريكيون ضد السعودية؟

 

قد يعجبك ايضا