صحيفة محلية تتساءل لماذا تراعي قرارات التسعير تكاليف الاستيراد وتغفل أجور المواطن المنخفضة

- الإعلانات -

في كل مرة خطف نفسي إلى أسواقنا المحبطة، أدهش من أيدي التجار الواصلة وقدرتهم على تسعير السلع كيفياً بلا حسيب أو رقيب، فمع كل موجة ارتفاع جديدة مفاجئة أظن أنها أخر مرة تحلق أسعار السلع عالياً عند النظر إلى مقدرة المواطن الشرائية الضعيفة، لكن سرعان ما تأتي موجة أسعار جديدة “من غامض علمه” تطيح هذا “الظن” وتضرب جيوب أصحاب الدخول المعدومة، التي لم تعد تصلح لتسمى أجور مقارنة بتكلفة معيشة أصبحت تلامس سقف مليوني ليرة بينما لا يتجاوز سقف الراتب 150 ألف ليرة.

الدهشة ذاتها ترتسم على وجهي حينما أرى حال الرقابة الرخو على هذه الأسواق المنفلتة من عقالها، بحيث لم تعد تنفع تلك الضبوط المنظمة بين هناك وهناك في محاولة لتبرير العجز والفشل في ضبط الاسواق وتخليصها من قبضة التجار سيما بعد إتباع سياسة تطيب خواطرهم على مدار سنوات طويلة، والأدق رقبة المساهمة بزيادة حمى الأسعار عبر لحاق الجهات المسؤولة عن التسعير بتسعيرة التجار وإقرارها رسمياً بدل فرض تسعيرة منطقية تلزم التجار على اختلاف تصنيفاتهم بها، ويزيد الوضع سوءاً التخبط الواضح في إصدار قرارات التسعير والتراجع عنها، فمنذ أكثر من أسبوع أصدر قرار يلزم أصحاب المحال الغذائية والسندويش بتسعيرة محددة منعاً للمبالغات السعرية، ورغم الانتقادات في ظل تكاليف الانتاج المتزايدة على بعض القطاعات المنتجة كالدواجن، ما تسبب في رفع أسعار الفروج والبيض.

كان حرياً بمسؤولي وزارة التجارة الداخلية عدم التراجع عن قرارها مع إظهار بعض الحزم والتلويح بالعقاب الشديد للمخالفين، عل أسعار هذه السلع تنخفض لو قليلاً، لكن بتراجعها غير الموفق أعطت الضوء الأخضر لمزيد من التجاوزات، والمستغرب أنها عادت وأصدرت القرار بصيغة أخرى عبر تحديد أسعار قائمة أسعار بعض السلع الغذائية الضرورية، التي حلقت أسعارها من جديد بعد رفع سعر الصرف إلى مستويات جنونية جعلت عائلات كثيرة تحذفها من موائدها، وبعد كل هذه المعممة يخرج مسؤولو هذه الوزارة ويبررون رفع الأسعار، معتقدين أن المواطن يرقد على أكوام من المال غير مدركين معاناته المعيشية، التي أصبحت دول العالم قاطبة تعرفها، في انفصال فعلي عن الواقع يدفع المواطن ضريبته أضعافاً.

معظم السلع الأساسية المسعرة بموجب قرارات وزارة التجارة الداخلية ونشرتها التموينية أصبحت خارج حسابات محدودي الدخل، الذين لم يعودوا قادرين على شراء فروجاً بعد تجاوز سعره 40 ألفاً، أي بما يعادل نصف راتب موظف تقريباً، لتصبح سندويش الشاورما حلماً، أما سندويش الفلافل، التي كانت تعرف أنها مأكول الفقير أصبح رب الأسرة عاجزاً عن إدخالها إلى بيته لتسكيت البطون الجائعة، وهذه الأمور يبدو أنها غائبة كلياً عن ذهن القائمين على تسعير السلع وإصدار قراراتها، حيث يراعى دوما تكاليف التجار والمستوردين من دون اكتراث بوضع المواطن وراتبه القزم، علماً أنه بناء على قرارات التسعير يتوجب رفع الأجور بنسبة تتجاوز 500 % لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من تكاليف المعيشة المتزايدة.

والسؤال الملح هنا.. لماذا يراعى خاطر أهل المال وتفصل القرارات على مقاس جيوبهم مع أن كثر يستحقون أقصى العقوبات، ولا ينظر بأوضاع المواطنين، الذين أصبح معظمهم تحت خط الفقر، ما يدلل على أن أهل الكراسي والمال يعتمدون على جيوبهم وقوة صبرهم وتحملهم، وإلا لما تجرؤوا على زيادة الأسعار كل حين ومين بغض النظر عن النتائج، وقد نتفهم هذا الفعل الجسيم من التجار الباحثين عن الربح دوماً وخاصة أنهم متروكون على هواهم، لكن لا نقبله قطعاً من جهات مكلفة بحماية المستهلك وضبط الأسواق، فإذا كانت وزارة التجارة الداخلية عاجزة عن حماية المستهلك، فلتسقط هذه المسؤولية عن عاتقها وتعترف بعجزها، فالاعتراف بالعجز فضيلة، عل جهات أكثر قدرة تستلم هذه المسؤولية وتنجح في أداءها، وعموماً أصبح واقع الأسواق العصي على الحل يفرض تدخل جهات أكثر قوة وذات صلاحيات كبيرة لكف بلاء التجار ووقف سرقاتهم المكشوفة والتلاعب بلقمة العيش، وهو ما نأمل حصوله قريباً بهدف الانقاذ المعيشي ومحاسبة من ساهم بفوضى الأسواق وفراغ الجيوب، التي وصلت إلى مستويات صفرية وأكثر.

صحيفة تشرين

اقرأ أيضا: فعاليات ملتقى الاستثمار لعام ٢٠٢٢ سيطرح ٢٥ مشروعاً جاهزاً للاستثمار

قد يعجبك ايضا