فيتامين (د).. ملك الخرافات الطبية في الوطن العربي

- الإعلانات -

في شهر يوليو/تموز من العام الجاري، نشرت مجلة “بي إم جي كيس ريبورتس” (BMJ Case Reports) حالة رجل بريطاني تناول أكثر من 20 مكملا غذائيا بدون وصفة طبية يوميا، كان مما تناوله 50000 وحدة دولية (IU) من فيتامين (د) ثلاث مرات في اليوم. هذه جرعة أعلى بمئات المرات من الكمية اليومية الموصى بها عند تناول فيتامين (د)، حيث توصي دائرة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة عادة بـ600 وحدة دولية من فيتامين (د) يوميا للبالغين. في غضون شهر، بدأ الرجل يعاني من الغثيان وآلام في البطن والإسهال ونوبات متكررة من القيء، إلى جانب تقلصات في الساقين وطنين في الأذنين.

سمع الرجل عن المكملات الغذائية من برنامج حواري إذاعي، واتصل بأخصائي التغذية في البرنامج بعد ذلك، ثم بدأ في تناول هذا الكم من فيتامين (د). لاحقا، توقف الرجل عن تناول المكملات عندما بدأت الأعراض السيئة في الظهور، لكن حالته لم تتحسن. بحلول الوقت الذي أُحيل فيه إلى المستشفى، بعد شهرين من ظهور الأعراض، كان قد فقد نحو 12.7 كغم من وزنه، وكانت كليتاه تواجهان أزمة حقيقية.

خرافة فيتامين (د) الكبرى

ما حدث لهذا الرجل البريطاني قد يكون مرتبطا بالخرافة الكبرى المنتشرة في التعامل مع مكملات فيتامين (د)، وهي أن مكملات فيتامين (د) لا تشترط وصفة طبية، وأن كثرة تناوله ليست ضارة، على العكس، يرى البعض أنه كلما حصلت على فيتامين (د) أكثر، كان ذلك أفضل. في الواقع، هذا ليس حقيقيا أو صحيحا بأي درجة.

توصي المعاهد الوطنية البريطانية للصحة بجرعات مُحددة من فيتامين (د) تختلف باختلاف العمر، فمثلا من الولادة حتى 12 شهرا فإن الكمية المُوصى بها هي 10 ميكروغرامات، أي ما يُعادل 400 وحدة دولية، أما الأطفال من عمر عام واحد وحتى البالغين الذين تصل أعمارهم إلى 70 عاما فإن الكمية الموصى بها هي 15 ميكروغراما، أي نحو 600 وحدة دولية، وبالنسبة للبالغين الذين تبلغ أعمارهم 71 سنة وما فوق، فإن الكمية تكون 20 ميكروغراما أو 800 وحدة دولية.

وفقا لتقرير نشرته “هارفارد هيلث” (Harvard health)، لا يلتزم الكثيرون بهذه الكميات الموصى بها من فيتامين (د)، ويبالغون في البحث عن صحة أفضل، فيعتقدون أن السبيل الأمثل لتحقيق ذلك هو تناول كومة صغيرة من مكملات فيتامين (د).ولا يدرك هؤلاء أن الحد الأقصى المسموح به من مكملات فيتامين (د) هو 4000 وحدة دولية يوميا، وبعد هذا المستوى يزيد خطر حدوث تأثيرات سامة.

هذا الإفراط في تناول مكملات فيتامين (د) رصده الباحثون أيضا في بيانات المسح الوطنية التي جُمعت بين عامَيْ 1999-2014 في الولايات المتحدة الأميركية. وجد الباحثون زيادة بنسبة 2.8% في عدد الأشخاص الذين يتناولون كميات غير آمنة من مكملات فيتامين (د). كذلك، ووفقا لرسالة بحثية نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأميركية، وخلال الفترة الزمنية نفسها، رُصدت زيادة بنسبة 18% في عدد الأشخاص الذين يتناولون 1000 وحدة دولية أو أكثر من فيتامين (د) يوميا، وهو ما يتجاوز الجرعة الموصى بها لمعظم الأشخاص.

هناك بعض الأعراض المبكرة التي يمكن من خلالها الاستدلال على حالة فرط كالسيوم الدم التي تتسبب فيها زيادة فيتامين (د)، ومنها: الغثيان والقيء والإسهال والإمساك والشعور بالضعف. قد يحدث أيضا عطش مفرط، أو مستوى متغير من الوعي، أو ارتفاع ضغط الدم، أو فقدان السمع. علاج مشكلة فرط كالسيوم الدم الناجم عن تناول كميات كبيرة من مكملات فيتامين (د) قد يستغرق بضعة أشهر، لأن الجسم لا يتمكن من التخلص من الكمية الزائدة من الفيتامين إلا ببطء.

ليست حبوبا سحرية

إلى جانب ذلك، فإن مكملات فيتامين (د) ليست حبوبا سحرية، ولن يُمكنها حل جميع مُشكلاتك الصحية. منذ عام 2000، كانت هناك زيادة كبيرة في عدد الأبحاث التي تتناول الفوائد الصحية المحتملة لفيتامين (د). ربطت الأبحاث انخفاض مستويات فيتامين (د) في الدم بارتفاع مخاطر كل شيء تقريبا، بدءا من أمراض القلب والسكري مرورا بالسرطان، ووصولا إلى اضطرابات المزاج والخرف. رُبما تكون نتائج هذه الدراسات هي ما أدَّت إلى رفع شعبية مكملات فيتامين (د)، ومع ذلك، خلص تقرير معهد الطب الأميركي لعام 2011 إلى أن فيتامين (د) مفيد بشكل جازم لصحة العظام، أما الفوائد الصحية الأخرى فلم تكن هناك أدلة كافية لدعمها.

بلا شك يحتاج الجسم إلى فيتامين (د)، لكن المهمة الرئيسية لهذا الفيتامين تتمثَّل في مساعدة الجسم على امتصاص الكالسيوم من الأمعاء، وهذا لأن الجسم لا يستطيع امتصاص الكالسيوم ما لم يكن فيتامين (د) موجودا. وقد أشارت دراسة نُشرت عام 2019 إلى أن فيتامين (د) والكالسيوم ضروريان لعلاج أمراض العظام والحفاظ على صحة العضلات والحد من مخاطر السقوط والكسور، مُضيفة أن التركيزات المنخفضة من فيتامين (د) تؤدي إلى فرط نشاط الغدد جارات الدرقية، وهو ما يساهم في فقدان العظام.

لكن بخلاف صحة العظام، تظل سائر فوائد مكملات فيتامين (د) محل جدل كبير، ومنها دوره المزعوم في تنظيم عمل القلب والأوعية الدموية، ففي حين ذهبت دراسة نُشرت عام 2010 إلى أن نقص فيتامين (د) مرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم وفشل القلب وأمراض القلب الإقفارية، وأشارت إلى أن نقص فيتامين (د) يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم العرضي أو الموت القلبي المفاجئ لدى الأفراد المصابين بأمراض قلبية وعائية موجودة سابقا، ويظل هذا التأثير غير مؤكد.

فعلى الجانب المقابل، أوضح تحليل تلوي نُشر عام 2019 أن الدراسات التي ذهبت إلى وجود علاقة بين نقص مستويات فيتامين (د) في الدم وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب لا يمكن أن تثبت السببية بنسبة يقينية مؤكدة. خلال هذا التحليل فُحصت مجموعة من التجارب السريرية العشوائية التي شملت أكثر من 83000 مشارك، توصلت نتائج هذه التجارب إلى أن مكملات فيتامين (د) لم ترتبط بتقليل مخاطر حدوث أمراض القلب أو السكتة الدماغية، أو الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، أو الوفيات الناجمة عن أي أسباب أخرى مقارنة بالدواء الوهمي “البلاسيبو”. تؤكد هذه النتائج أن مكملات فيتامين (د) لا تمنح الحماية للقلب والأوعية الدموية، ولا يُشار إليها لهذا الغرض.

ماذا عن الاكتئاب؟

لا يتوقف الأمر عند حدود أمراض القلب، حيث يظن الكثيرون أن الاكتئاب له علاقة بنقص فيتامين (د)، وبالفعل في دراسة نُشرت عام 2018 وجد الباحثون أن العديد من الأشخاص المصابين بالاكتئاب لديهم مستويات منخفضة من فيتامين (د) في الدم (11)، لذلك رجَّحوا أن يكون نقص فيتامين (د) مُرتبطا بالمعاناة من الاكتئاب. أيضا اقترح عدد من الدراسات أن المستويات المنخفضة من فيتامين (د) أثناء الحمل مرتبطة باكتئاب ما بعد الولادة، وهو نوع الاكتئاب الذي تُعاني منه الأمهات خلال الأيام والأسابيع والأشهر التي تلي الولادة.(12) كذلك لاحظت بعض الدراسات الصغيرة عالية الجودة أن مجموعات مختلفة من الأشخاص يجدون تحسنا في أعراض الاكتئاب بعد أن يبدأوا في تناول مكملات فيتامين (د).

رغم هذا، فإن الفائدة المحتملة لتناول مكملات فيتامين (د) ومحاربة الاكتئاب ليست مُبرهنة علميا بشكل تام ومؤكد. فقد وجدت دراسة كبيرة وعالية الجودة نُشرت في أغسطس/آب عام 2020، وأُجريت على أكثر من 18000 شخص مصاب بالاكتئاب، أن تناول 2000 وحدة دولية يوميا من فيتامين (د) لمدة 5 سنوات لم يؤدِّ إلى أي اختلافات كبيرة في درجات الاكتئاب مقارنة بأخذ دواء وهمي.

كما وجدت العديد من الدراسات الأخرى أن تناول فيتامين (د) ليس له أي تأثير على الاكتئاب. جاءت نتائج هذه الدراسات لتؤكد عدم دعم استخدام البالغين لفيتامين (د) للوقاية من الاكتئاب. ونظرا لأن النتائج مختلطة للغاية، فإن ربط تناول مكملات فيتامين (د) بمحاربة الاكتئاب قد لا يكون ربطا صحيحا، فلا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد كيفية ارتباط نقص فيتامين (د) بالاكتئاب، وكذلك كيف يمكن أن يؤثر تناول مكملات فيتامين (د) على أعراض الاكتئاب.

الشعبية الواسعة لتحليل فيتامين (د) قد لا تكون في محلها

في المنطقة العربية، يتفق الكثير من الأطباء أن المرضى عادة ما يطلبون منهم توصيات بإجراء تحليل كشف نسبة فيتامين (د)، وهو تحليل تكلفته المادية مرتفعة نسبيا، حيث يعتقد هؤلاء بيقين دامغ أن ما يعانون منه، أيًّا ما كان هذا الذي يُعانون منه، ناتج عن نقص فيتامين (د) في أجسادهم. وعلى الرغم من أن أسهل الحلول لتلك المشكلة أن يخرجوا صباحا للتعرض لأشعة الشمس، إلى جانب تناول الأطعمة الغنية بهذا الفيتامين مثل الأسماك الدهنية والبيض والكبد، فإنهم يعودون ليؤكدوا أن هذا غير كافٍ، وأنه لا بد من التحليل لتناول مُكملات فيتامين (د) المستوردة إذا تطلب الأمر.

الدكتور جوان مانسون، أستاذ صحة المرأة في كلية الطب بجامعة هارفارد، يُشير إلى انتشار الأمر لكن في الولايات المتحدة الأميركية، فيقول: “يُعَدُّ اختبار فيتامين (د) واحدا من أعلى الفحوصات المخبرية لبرنامج (Medicare) التي أُجريت في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، هذا أمر مثير للدهشة حقا بالنسبة لفحص يُوصى به فقط لمجموعة فرعية صغيرة من السكان”.

يستطرد الدكتور مانسون مُفنِّدا الاعتقاد الشائع أن تناول مُكملات فيتامين (د) سيحل الكثير من الأزمات الصحية: “في حين أن هناك دعما قويا لدور فيتامين (د) في صحة العظام، فإن الأدلة على أنه يمنع الحالات الصحية الأخرى ليست قاطعة، كانت الأبحاث المتعلقة بفيتامين (د) ومكملات الكالسيوم مختلطة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتجارب السريرية العشوائية، التي كانت مخيبة للآمال عموما حتى الآن”.

صحيح أن من المهم أن يكون لديك مستويات من فيتامين (د) في النطاق المناسب، وهو النطاق الذي حددته المعاهد الوطنية للصحة البريطانية، بما يتراوح بين 20-30 نانوغرام لكل مليلتر في الدم للبالغين.(6) وعلى الرغم من عدم وجود طريقة لمعرفة ما إذا كانت مستوياتك في هذا النطاق بدون تحليل، فإن هذا لا يجعل من الضروري إجراء التحليل، إلا إذا كان لديك، كما تُخبرنا كليفلاند كلينك، حالة تستدعي ذلك مثل هشاشة العظام.

متى ينبغي تناول مكملات فيتامين (د)؟

إن فيتامين (د) هو فيتامين قابل للذوبان في الدهون، مما يجعل امتصاصه يحدث بشكل أفضل في مجرى الدم عند إقرانه بالأطعمة الغنية بالدهون. (شترستوك)

حسنا، هذا هو السؤال الأهم. يُمكنك تناول مكملات فيتامين (د) في حالة واحدة، وهي بعد التأكد من أن نسبة الفيتامين الحالية في جسمك منخفضة عن الطبيعي، وبعد أن يُحدد لك الطبيب الكمية والمُدّة اللازمتين لتناول هذا المكمل. وفقا لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، فخلال فصلَيْ الخريف والشتاء، خاصة في البلدان التي لا تكون الشمس بها قوية بما يكفي ليصنع الجسم فيتامين (د)، قد يحتاج البعض إلى الحصول على فيتامين (د) من نظامهم الغذائي. وفقا للهيئة ذاتها، قد يكون من الصعب على الأشخاص الحصول على ما يكفي من فيتامين (د) من الطعام وحده، لذا يمكن التفكير في تناول مكمل يومي يحتوي على 10 ميكروغرامات من فيتامين (د) خلال الخريف والشتاء.

بين أواخر مارس/آذار وأوائل إبريل/نيسان وحتى نهاية سبتمبر/أيلول، يمكن لمعظم الناس أن يصنعوا كل فيتامين (د) الذي يحتاجون إليه من خلال التعرُّض لأشعة الشمس على بشرتهم، بالإضافة إلى تناول نظام غذائي متوازن. يوجد فيتامين (د) في عدد من الأطعمة، منها: الأسماك الزيتية مثل السلمون والسردين والرنجة والماكريل، اللحوم الحمراء، الكبد، صفار البيض.

إذا نصحك الطبيب بتناول مكملات فيتامين (د)، فإن بعض الدراسات تذهب إلى أنه يُمكنك تحقيق أقصى استفادة من هذه المكملات عند اقترانها بالدهون. لأنه كما سبق الذكر، فإن فيتامين (د) هو فيتامين قابل للذوبان في الدهون، مما يجعل امتصاصه يحدث بشكل أفضل في مجرى الدم عند إقرانه بالأطعمة الغنية بالدهون. لهذا السبب، يُوصى بتناول مكملات فيتامين (د) مع الوجبة لتعزيز الامتصاص.

وفقا لإحدى الدراسات الصغيرة التي أُجريت على 17 شخصا، فإن تناول فيتامين (د) مع أكبر وجبة في اليوم أدى إلى زيادة مستويات فيتامين (د) في الدم بنحو 50% بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر فقط. وفي دراسة أخرى أُجريت على 50 شخصا من كبار السن، أدى تناول فيتامين (د) إلى جانب وجبة غنية بالدهون إلى زيادة مستويات فيتامين (د) في الدم بنسبة 32% بعد 12 ساعة مقارنة بالوجبة الخالية من الدهون. يمكن جمع تناول مكملات فيتامين (د) مع الأفوكادو والمكسرات والبذور ومنتجات الألبان كاملة الدسم والبيض، وهي مصادر تحتوي على الدهون التي تساعد على تعزيز امتصاص فيتامين (د)، وزيادة استفادة الجسم منه إلى أقصى حد.

الجزيرة نت

اقرأ أيضا: استعملوا هذه العشبة لارتفاع ضغط الدم

قد يعجبك ايضا