خلافات عميقة .. هل ستندلع حرب تجارية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي؟

- الإعلانات -

ثلاثة أعلام للولايات المتحدة ومثلها للاتحاد الأوروبي تصطف بتناسق وسط الساحة في جامعة ميريلاند بالقرب من العاصمة واشنطن. لأن الجامعة تحتضن هذا الأسبوع اجتماع مجلس التجارة والتكنولوجيا (Trade and Technology Council) بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والمعروف اختصارا باسم “TTC”. في هذا المنتدى يتم تنسيق المشاريع الكبرى المشتركة في مجالات التجارة والاقتصاد والتكنولوجيا. واختيار جامعة ميريلاند لم يكن مجرد صدفة، لأن الجامعة تركز بشكل كبير على الأبحاث التقنية.

وهذا التركيز على قضايا التكنولوجيا يظهر جليا في البيان المشترك الذي أصدره الجانبان. ففي الصميم تبرز مسألة حماية البيانات وتحسين التكنولوجيا، وتأمين وتحسين سلاسل التوريد الخاصة بأشباه الموصلات، إضافة للذكاء الاصطناعي.

ولكن هناك مسألة خلافية تخيم على أجواء الاجتماع قبل أن يُعقد أصلا، وهي  قانون الحد من التضخم في الولايات المتحدة، الذي أعدته إدارة الرئيس بايدن. وهو يتضمن حزمة مالية ضخمة. وتنص خطة المناخ التي مررها الكونغرس في الصيف الماضي على استثمار 369 مليار دولار، جزء كبير منها في شكل إعانات وتخفيضات ضريبية، لا سيما على السيارات الكهربائية والبطاريات ومشاريع الطاقة المتجددة التي تحبذ كل ما هو مصنوع في الولايات المتحدة.

الاتحاد الأوروبي، بدوره، يتهم الولايات المتحدة بأنها تمارس “الحمائية”، ويخشى من إجراءات ”تمييزية” تضر بالشركات الأوروبية.

“نطالب بعدم وضعنا تحت لوائح تمييزية، وأن تعامل الشركات الأوروبية والصادرات الأوروبية في الولايات المتحدة بنفس الطريقة التي تعامل بها الشركات الأمريكية والصادرات الأمريكية في أوروبا”. هذه مطالب وجهها المفوض الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس في حديث لـDW. أما أورزولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، فدعت هي الأخرى إلى “رد هيكلي” على “السياسة الصناعية الجديدة” للولايات المتحدة الأمريكية.

هل هناك حرب تجارية قادمة؟

فهل هناك  حرب تجارية ستندلع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ كلا، يقول الخبراء. “الحديث عن حرب تجارية أمر مبالغ فيه”، يقول قال تايسون باركر، مدير برنامج التكنولوجيا والسياسة الخارجية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية. ولا يبقى سوى أن ننتظر ما الفوارق التي ستحدثها نصوص القانون في الولايات المتحدة، اعتبارا من يناير/ كانون الثاني. ولكن يبدو أن المسؤولين في الولايات المتحدة مستعدون لاتخاذ نهج براغماتي. وعن ذلك يقول باركر لـDW بعد انتهاء الاجتماع: “صياغة مواد القانون تعطي مساحة لا بأس بها للتفسير، من شأنها أن تتيح للبيت الأبيض التعامل بشكل أسهل مع الشركاء مثل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية”.

وتتفق إميلي بينسون، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، مع هذا الرأي وتعتقد أنه يمكن تجنب الحرب التجارية. وترى بينسون أنه “ليس من الواضح ما إذا كانت السياسة الأمريكية تستهدف عمدا استقطاب مزيد من الصناعات الأوروبية ونقلها من القارة الأوروبية إلى داخل الولايات المتحدة”. وأفضل ما يمكن القيام به هو التوقف وإعادة تقييم ما يعنيه هذا القانون بالنسبة لبناء الاقتصاد الأخضر، وهو اقتصاد المستقبل.

في الواقع، يعتبر “قانون الحد من التضخم” أهم قانون لحماية المناخ في تاريخ الولايات المتحدة. وعن ذاك يقول باركر: “إنه أكبر جهد سياسي في العالم لتقليل البصمة الكربونية”. إنه أيضا مكسب لأوروبا. ولكن النزاع المتعلق بالسيارات الكهربائية لم يُحل بعد. “إننا نغادر هذه الجلسة بتفاؤل أكبر قليلا مما كان قبل أن ندخلها”، كما صرح نائب رئيس المفوضية الأوروبية فالديس دومبروفسكيس، الذي أضاف: “لا يزال هناك الكثير لنقوم به”.

ما الذي تم الاتفاق عليه أيضا في القمة التجارية؟

على الرغم من مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن “قانون الحد من التضخم”، والجدل بشأن صناعة السيارات الكهربائية، فإن ذلك لم يكن الموضوع الوحيد على جدول أعمال قمة مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. ورغم عدم حدوث اختراقات كبيرة منذ القمة الأخيرة التي عُقدت في مايو/ أيار الماضي، إلا أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تمكّنا من الاتفاق على نظام إنذار مبكر لمواجهة نقص أشباه الموصلات. وعن ذلك تحدث وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين قائلا: “السنوات القليلة الماضية أظهرت لنا جميعا مدى أهمية وجود سلاسل إمداد مرنة”. والهدف من التعاون بين الجانبين الأمريكي والأوروبي هو: “سلاسل توريد أكثر تنوعا ومرونة تخدم الصناعات على ضفتي المحيط الأطلسي”.

كما يريد كلٌ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تمويل المشاريع التي تهدف إلى جعل البنية التحتية أكثر مرونة، مثل الكابلات الإستراتيجية البرية منها وكذلك الموجودة في أعماق البحار. ولهذا سيتم ربط أكثر من ألف مدرسة عامة ومأوى مخصص للأطفال في جامايكا بالشبكة العنكبوتية. وسيتم تطوير مشروع مماثل مع الحكومة الكينية.

موقف مشترك ضد روسيا.. ولكنه غير واضح بشأن الصين

في اجتماع ميريلاند، أدان وزراء الاتحاد الأوروبي ونظراؤهم الأمريكيون مجددا “الحرب العدوانية غير القانونية وغير المبررة التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا”. كما أكدوا على أنهم سيواصلون دعم أوكرانيا في تأمين وصيانة وإعادة بناء البنية التحتية الأوكرانية. وهذا يشمل أيضا الاتصالات والبنية التحتية للإنترنت.

جرى تأسيس مجلس التجارة والتكنولوجيا في عام 2021 ومن مهامه أيضا وضع استراتيجيات مشتركة لمنافسة الصين في مجالات التجارة وتطوير التكنولوجيا، من دون ذكر الصين بالاسم. ومع ذلك،  لا يتفق الطرفان الشريكان بشكل كامل حول العلاقة مع الصين. فواشنطن مثلا تطالب حلفاءها بدعم الضوابط المشددة المعتمدة في الولايات المتحدة بخصوص تصدير الرقائق إلى الصين. وهذا سيؤثر على عدة شركات أوروبية، مثل شركة ASML الهولندية، وبعض الشركات الألمانية. ويرى باركر أنه بينما تعتبر الولايات المتحدة الصين بالدرجة الأولى تهديدا، فإن الاتحاد الأوروبي لا يشاركها بالضرورة الرأي. ويضيف مدير برنامج التكنولوجيا والسياسة الخارجية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: “لا يمكن للمفوضية الأوروبية أن تمثل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الـ27 بشأن قضية الصين، لأنه لا يوجد إجماع بينها”.

كيف يمكن أن يكون التعاون في المستقبل؟

يعتمد كلا الجانبين في مجلس التجارة والتكنولوجيا “TTC” على بعضهما البعض، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الاقتصادية والتكنولوجية، وكل منهما يحتاج إلى أسواق الآخر. وحدد مجلس التجارة والتكنولوجيا أهدافا طموحة للاجتماع القادم الذي سيعقد العام المقبل في السويد. “تم تصميم هذا المجلس لفتح آفاق جديدة ولإلغاء النزاعات التجارية”، كما تقول إميلي بينسون، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، التي تضيف: “لكننا نرى أن المجلس يقع ضحية لهذه المشكلة القديمة؛ أي مشكلة العلاقات التجارية المعقدة بين ضفتي الأطلسي خلال العقود القليلة الماضية”.

لهذا فإن الوقت الحالي حرج جدا من أجل التأكد من أن مجلس التجارة والتكنولوجيا سيحقق فعلا أهدافه في المستقبل.

DW

اقرأ أيضا: بعد محاولة الانقلاب في ألمانيا.. من هم “مواطنو الرايخ”؟

قد يعجبك ايضا