السّوريون المجنّسون يقلقون المعارضة التركيّة قبل الانتخابات المصيريّة عام 2023

- الإعلانات -

السّوريون المجنّسون يقلقون المعارضة التركيّة قبل الانتخابات المصيريّة عام 2023

أعاد تفجير اسطنبول الإرهابي الشهر الماضي، والذي اتّهمت بتنفيذه امرأة سورية بمساعدة سوريين آخرين، النقاشات الحادة حول اللاجئين السوريين وأعدادهم، وسط اتّهام المعارضة التركية السلطات بإخفاء الأعداد الحقيقية لهؤلاء وأماكن وجودهم وتوزّعهم في تركيا.

لكن اقتراب موعد الانتخابات المصيرية في البلاد جعل من مسألة السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، الشغل الشاغل للمعارضة المتخوّفة من أن تسهم أصواتهم في قلب الموازين السياسية في ظل القانون الانتخابي الجديد، وفي ظل اختيار الأتراك رئيسهم عبر التصويت المباشر.

صحة الأرقام الرسمية موضع جدل

تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة التركية إلى وجود من مجموعهم 3.611.143 سورياً حتى تاريخ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، تحت “الحماية الموقتة” في البلاد، وهي تسمية تطلق على اللاجئين القادمين من الدول التي تقع شرق تركيا، كون القانون التركي يمنع منح صفة اللجوء للقادمين من الدول الغربية، مقابل 104177 سورياً مقيماً بموجب تصاريح إقامة رسمية، و211.908 سوريين حصلوا على الجنسية التركية حتى نهاية شهر آب (أغسطس) 2022.

لكن الصحافي الاستقصائي التركي، مراد أغيرال، يشكك في صحّة هذه الأرقام، مؤكداً: “نحن لا نعرف الأرقام الحقيقية للاجئين السوريين أو الوافدين من البلدان والجنسيات الأخرى، ولا نعرف أعداد المقيمين والحاصلين على الجنسية واقعياً أيضاً”.

ويشرح أغيرال، الكاتب في صحيفة “يني تشاغ” التركية في حديث إلى “النهار العربي”، أن “تقرير الاتحاد الأوروبي لعام 2016 حدّد وجود 1.3 مليون سوري في سن الإنجاب، 700 ألف منهم من النساء. وإذا أخذنا بالاعتبار نسبة الإنجاب عند السوريين والمحددة وفق الدراسات الأكاديمية التي أجريت في تركيا أخيراً، والمتراوحة بين 5.3% و5.8% بالاختلاف بين دراسة وأخرى، فكيف يمكن الحديث عن وجود 3.6 ملايين سوري فقط في تركيا اليوم؟”.

تؤيّده في الرأي نائبة رئيس “الحزب الديموقراطي” المسؤولة عن سياسات الهجرة واللاجئين في الحزب، الاي أكسوي قائلة: “بحسبة بسيطة بضرب نسبة الإنجاب بأعداد اللاجئين المعلنة رسمياً عام 2016 من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحكومة التركية، فإننا أمام أكثر من 4.5 ملايين لاجئ سوري على الأقل”، مضيفة في تصريح إلى “النهار العربي”: “يجب أن نأخذ بالاعتبار أنه بعد توقيع الحكومة التركية على اتّفاق إغلاق الحدود التركية-الأوروبية أمام اللاجئين، لم يعد هناك إمكان للحديث عن انتقال جماعي وبأعداد كبيرة للاجئين من تركيا باتجاه أوروبا، فيما تعلن الحكومة نفسها عن عودة نصف مليون لاجئ سوري فقط إلى بلادهم، ما يؤكد صحة الأرقام المفترضة”.

لا يريدوننا أن نطّلع عليه

أسس الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع الحكومة التركية مشروعاً طبياً تحت مسمى “Sihhat” (الصحة)، يهدف إلى تقديم الرعاية الصحّية للاجئين السوريين من خلال 181 مشفى ومركزاً صحّياً في 29 ولاية، مموّلة بالكامل من الاتحاد الأوروبي.

ويروي أغيرال، وهو صاحب العديد من المؤلّفات السياسية وحائز جائزة “سيدات سمافي” في نسختها الـ46 عن الصحافة الاستقصائية، لـ”النهار العربي”، أن “تقريراً عن البرنامج نُشر على موقع الاتحاد الأوروبي باللغتين التركية والإنكليزية، كشف عن تلقيح 3.553.120 طفلاً سورياً بين عامي 2016-2020 وتقديم معاينة ما بعد الولادة لمرة واحدة على الأقل لـ595.961 امرأة”.

وأوضح أنه “انطلاقاً من هذه الأرقام المتعارضة مع مثيلاتها المعلنة رسمياً، طرحت عدداً من الأسئلة حول العدد الحقيقي للاجئين السوريين على وزير الصحة عبر “تويتر”، لأنني لم أتمكن من الوصول إليه، كما تواصلت مع المسؤول الإعلامي في الوزارة، لكن بدلاً من الحصول على إجابات، تم حذف التقرير من الموقع الرسمي وباللغتين التركية والإنكليزية”.

وتؤكد أكسوي العاملة على ملف اللاجئين السوريين في تركيا منذ أكثر من 5 سنوات، أنه “بحسب المسوحات التي أجريتها، فإن عدداً كبيراً من السوريات ينجبن في المنازل من دون التوجه إلى المستشفيات، إذ تقوم جمعيات المجتمع المدني المعنية بشؤون اللاجئين بمساعدتهم لاحقاً من أجل الحصول على وثائق تولّد رسمية”.

ويفسّر أغيرال حذف الملف من الموقع بـ”وجود شيء ما لا يريدوننا أن نطّلع عليه”.

تمويل ضخم لجمعيات المجتمع المدني

النقطة اللافتة الأخرى في التقرير، بحسب أغيرال، هي “تأكيده ضرورة تمويل النشطاء أفراداً وجمعيات مجتمع مدني بمئات ملايين اليوروات لتهيئة الرأي العام في تركيا، من أجل منع أي رد فعل من المواطنين إزاء سياسات الهجرة الخاطئة التي أدت إلى وفود كل هذه الأعداد من اللاجئين إلى البلاد، وبالتالي اتّهامي أنا وكل من يرفع صوته ضد هذه السياسات بالفاشية والعنصرية”.

وفي تقرير نشره الشهر الماضي، كشف “مجلس اللاجئين التركي” أن التمويل الخارجي لمنظّمات المجتمع المدني في تركيا لعامي 2019-2020 فقط بلغ مليارين و977 مليون دولار أميركي.
وترى أكسوي أن “عدداً كبيراً من تلك المنظّمات تعتبر أدوات إعلانية عاملة لمصلحة الأمم المتحدة، وبات في تركيا الكثير من المنظّمات الأميركية والأوروبية العاملة في حقل اللاجئين، تنتشر في معظم الولايات التركية”.

وتضيف: “معظم هذه الجمعيات تحوّلت إلى قطاع استثماري بعيداً من الأهداف الإنسانية التي وجدت من أجلها. على سبيل المثال، بدلاً من تقديم دورات طويلة الأمد في تعليم اللغة أو تقنيات الحاسوب وبرامجه الاختصاصية، يقيمون دورة لحياكة السلل بالقش وما إلى ذلك من الأعمال التي لا تفيد ولا تسهم بأي شكل في دعم اللاجئين”.

ويبدو لبنان في المرتبة الثانية لجهة المنظّمات العاملة في حقل اللاجئين السوريين بعد تركيا، إذ تشير الأرقام التي حصل عليها “النهار العربي” من مصدر لبناني حكومي رفيع المستوى إلى وجود ما يقارب 23 ألف منظمة مجتمع مدني (NGO) عاملة في لبنان، مرتبطة مباشرةً أو ممولة من الأمم المتّحدة وهيئاتها المختلفة، “تعمل معظمها في قطاعات ترتبط باللاجئين السوريين”.

بيع الجنسية وتأثيرها في الانتخابات

يمنح القانون التركي الجنسية لأي أجنبي يقوم بشراء عقار أو مجموعة عقارات بقيمة 400 ألف دولار أميركي والاحتفاظ بملكيتها لمدة 3 سنوات، وذلك في محاولة لإنعاش قطاع المقاولات الذي يعتبر أهم قطاعات الاقتصاد التركي أولاً، وجذب المزيد من المال الساخن إلى البلاد، بخاصة أن القانون التركي لا يحقق في مصدر الأموال الوافدة.

لكن أكسوي، ترى في هذا القانون خطراً اجتماعياً وسياسياً أيضاً، بخاصة أن البلاد دخلت في أجواء الاستعداد للانتخابات المصيرية المزمع إجراؤها في عام 2023.

تروي أكسوي أنه “منذ مدة أعمل على بحث حول منح الجنسية بموجب شراء العقارات. بغض النظر عن موقفي من هذا القانون، فإن أخطر ما فيه هو قيام العديد من السوريين بشراء محاضر صغيرة، كشراء 10 بيوت قيمة كل منها 40 ألف دولار مثلاً، وبالتالي حصولهم على الجنسية”، موضحة: “هذه البيوت تشكّل مع بعضها بعضاً تجمعات سكنيّة مغلقة يعيش فيها سوريون فقط، وما ينتج من ذلك من تكتّل قوة سياسية مؤثرة في الانتخابات، ومجالاً اجتماعياً يمكن أن يختفي فيه المطلوبون والمتوارون عن القانون وغيرهم من المطلوبين”.

وتؤكد أكسوي “وجود العديد من التجمّعات السكنية التي باتت مغلقة أمامنا نحن الأتراك، ولم يعد بإمكاننا الدخول إليها”.

ويكشف الصحافي التركي فاتح أركين عن وجود 161 سورياً ضمن 1100 شخص قُبلت طلباتهم للحصول على شقق الإسكان التي تشيّدها إدارة تطوير الإسكان (TOKI) التابعة لوزارة البيئة والإسكان التركية، وذلك في ولاية هاتاي (إسكندرون) وحدها.

قبل أيام، نشر البرلماني عن “حزب الشعب الجمهوري”، ماهر باشارير، مقطع فيديو عبر حسابه الرسمي في “تويتر”، كاشفاً عن “وجود ناخبين مجنّسين من 62 دولة أجنبية في إحدى دوائر ولاية مرسين الانتخابية فقط، التي تضم 153677 ناخباً، 5084 منهم من المجنّسين خلال السنوات الأخيرة”، في محاولة للفت الأنظار إلى ما تعتبره الحكومة خطة مدروسة من قبل “العدالة والتنمية” لمنح الجنسية التركية لأكبر عدد ممكن من اللاجئين المقيمين في تركيا، والذين يربطون مصير بقائهم في البلاد بمصير بقاء الحزب في السلطة.

في الانتخابات المحلية الأخيرة التي أجريت عام 2019، نجح حزب “العدالة والتنمية” في الفوز بدائرة أكدينيز الانتخابية في مرسين للمرة الأولى، وذلك بفارق أصوات السوريين الحاصلين على الجنسية التركية.

وينهي أغيرال حديثه إلى “النهار العربي” بالقول: “في نظامنا الانتخابي الذي ينص على انتخاب رئيس الجمهورية بنسبة 50+1%، والتجارب السابقة التي عشناها من خلال حسم نتيجة بلدية يالوفا بفارق صوت واحد، وبلدية اسطنبول بفارق 17 ألف صوت في المرة الأولى، وفي العديد من المناطق بفارق 100 أو 200 صوت، فإن موضوع التجنيس سيكون مؤثّراً حكماً في الانتخابات المقبلة”.

النهار- سركيس قصارجيان

اقرأ ايضاً:لماذا استُقبل الرئيس الصيني باللون البنفسجي في السعودية بدل “السجادة الحمراء” ؟

 

قد يعجبك ايضا