ضباط فرنسيون حاولوا اغتياله بسبب إعلانه استقلال الجزائر.. كيف نجا ديغول من الموت بـ187 طلقة؟

- الإعلانات -

كان شارل ديغول زعيماً سياسياً وقائداً عسكرياً فرنسياً. قاد مقاومة بلاده للاحتلال الألماني في أربعينيات القرن العشرين، ثم تولى رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة فأسس الجمهورية الخامسة، وكانت تلك الأسباب كافية ليحظى بشعبية كبيرة في فرنسا، مع ذلك كان للرجل أعداء كثر أيضاً خاصة بعدما أعلن استقلال الجزائر ونهاية حقبة الاستعمار الفرنسي لها.

ولم تكن تلك العداوات مجرد عداوات دفينة، فقد حاول مجموعة من المتآمرين اغتيال ديغول باعتباره “خائناً” لبلاده وقذفوا سيارته بـ187 رصاصة.. فماذا حدث بعد ذلك؟

شارل ديغول و”حق تقرير المصير” في الجزائر

منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، لم تهدأ دعوات الجزائريين للمطالبة باستقلال بلادهم، وفي كل مرة كانت فرنسا تتجاهل تلك المطالب وتواجه انتفاضات الجزائريين بالقمع والعنف.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى تزايدت دعوات الاستقلال من قبل الجزائريين المصممين على انتزاع حريتهم، ووعدت فرنسا في ذلك الوقت بمنح الجزائريين مساحات أكبر من الحكم الذاتي لكن مرت عقود دون أن تنفذ باريس وعودها.

وفي عام 1954 تأسست أخيراً “جبهة التحرير الوطني” الجزائرية واندلعت ثورة التحرير التي تمثلت بعمليات عسكرية ضد الوجود الفرنسي، ونشبت حرب غير متكافئة بين الجانبين خسر فيها الجزائريون مليون ونصف المليون شهيد ليحصلوا على استقلالهم أخيراً بدعم من “شارل ديغول”.

في نوفمبر/تشرين الثاني 1958، تسلم شارل ديغول منصب رئاسة فرنسا وتعهد آنذاك بالحفاظ على سيطرة فرنسا على مستعمرتها الإفريقية (الجزائر).

لكن تلقى الفرنسيون صفعة قوية عندما غير ديغول موقفه في سبتمبر/أيلول 1959 وأعلن عن “حق تقرير المصير” للجزائريين.

كان ديغول سياسياً محنكاً وأدرك الهزائم التي لحقت بفرنسا في مستعمرات الهند الصينية ولم يرغب بتكرار السيناريو ذاته في الجزائر، لذلك قرر دعم استقلال الجزائر مخاطراً بعداء ضباطه والمواطنين الفرنسيين الداعمين للاستعمار، فضلاً عن عداء مستوطني “الأقدام السوداء” وهم المستوطنون الأوروبيون الذين سكنوا الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي.

ضباط فرنسيون حاولوا اغتياله بسبب إعلانه استقلال الجزائر.. كيف نجا ديغول من الموت بـ187 طلقة؟
شارل ديغول

عداوات ديغول تتزايد مع إعلان استقلال الجزائر

في فبراير/شباط 1961، أسست مجموعة من كبار ضباط الجيش الفرنسي ما يعرف باسم “منظمة الجيش السري”، التي بدأت حملة اعتداءات وإرهاب ضد الجزائريين، على أمل تأجيج أحداث عنف من شأنها أن تؤدي إلى تدخل الجيش الفرنسي.

وفي أبريل/نيسان من نفس العام، نظَّمت “منظمة الجيش السري” انقلاباً فاشلاً في الجزائر، في محاولة لحث ديغول على التمسك بالمستعمرة.

لكن مع ذلك واصل ديغول مسعاه، وأعلن السيادة الوطنية للجزائر في 3 يوليو/تموز 1962.

تسبَّب هذا الإعلان في توليد شعور بالمرارة لدى العديد من الفرنسيين، سواء المقيمون في الجزائر أو في فرنسا. وغادر معظم مستوطني “الأقدام السوداء” الجزائر على الفور بينما واصل ضباط الجيش الساخطون تدبير مؤامرات بهدف نشر الفوضى.

وبعد مرور شهر على تلك الأحداث نجا ديغول بأعجوبة من الموت المُحقّق، في محاولة اغتيال عُرفت باسم هجوم “the Petit-Clamart” دبَّرها له متآمرون في بلدية كلامار، جنوب غرب ضواحي باريس.

تدبير المؤامرة

لا عجب أن يكون زعيم الخلية المُخططة لاغتيال شارل ديغول ضابطاً برتبة مقدم في القوات الجوية الفرنسية. درس جان ماري باستيان-ثيري في أرقى مدارس فرنسا قبل انضمامه إلى القوات الجوية الفرنسية.

ومن المفارقات أنَّ والده كان مؤيداً سياسياً لديغول منذ الثلاثينيات. ومع ذلك، طوَّر الابن مشاعر كراهية عميقة تجاه الرئيس، الذي اعتقد أنَّه كان خائناً لبلاده.

لم يكن باستيان-ثيري رجلاً مقاتلاً من الأساس. لم يسبق له المشاركة في معركة أو استخدام سلاح ناري إلا أثناء التدريب، حتى إنَّه لم يحمل السلاح في محاولة الاغتيال. وقد وصف الملازم والناشط الفرنسي اليميني، آلان دي لا توكناي، انطباعه الأول عن شريكه في تدبير مؤامرة الاغتيال، باستيان-ثيري، قائلاً: “لقد تفاجأت عندما التقيت به. لم يكن يشبه العسكريين. بدا كأنه أمين مكتبة”.

وعلى الرغم من اختلاف شخصياتهما، كان الثنائي يتشاركان نفس الأهداف المُتمثلة في إزاحة ديغول من السلطة وتنصيب مجلس عسكري في الجزائر لاستعادتها باعتبارها ملكية فرنسية.

شرع الاثنان معاً في تحديد أفضل طريقة لتحقيق أهدافهما بضربة واحدة جريئة ليُقررا في نهاية المطاف اعتراض طريق موكب ديغول الرئاسي واستهدافه بأسلحة آلية.

جنَّد الاثنان حوالي 11 متطوعاً، معظمهم أعضاء في منظمة الجيش السري وانضم إليهم 3 مجريين قاتلوا في انتفاضة بلادهم عام 1956 ضد الاحتلال السوفييتي وكانوا مقتنعين بأنَّ اغتيال الرئيس الفرنسي سَيُشكّل بطريقة ما ضربة للشيوعية العالمية.

المؤامرة قيد التنفيذ

بينما بدت خطة أولئك المتآمرين سهلة للتنفيذ، أثبتت اللوجستيات أنَّها مليئة بالتحديات. فقد فشلت “منظمة الجيش السري” في توفير الدعم الكامل الذي كان يتوقعه المهاجمون، من حيث الأموال وإمدادات الأسلحة.

في النهاية، جاء معظم التمويل من الحساب الشخصي لباستيان‐ثيري ودي لا توكناي. أما بالنسبة للسيارات المقرر استخدامها في عملية الاغتيال، فقرر الشريكان سرقتها بسبب ارتفاع تكلفة التأجير.

نفذت المجموعة ما يزيد عن 12 محاولة فاشلة. واعتمدت المحاولة الأخيرة على خط سير الرحلة، الذي كان ديغول قد حدَّده عند السفر من مكان إقامته في شمال شرق فرنسا إلى قصر الإليزيه في باريس لحضور اجتماعات مجلس الوزراء. اتبع الرئيس روتيناً لتقليل الوقت المستغرق في الطريق منذ نجاته من هجوم تفجيري سابق استهدف سيارته. إذ كان يقطع مسافة 40 ميلاً شمالاً بالسيارة من شمال شرق فرنسا إلى مروحية عسكرية منتظرة في قاعدة “سان ديزيه” الجوية لينتقل بها مسافة 150 ميلاً إلى قاعدة فيلاكوبلاي الجوية بالقرب من باريس، حيث ينقله الموكب الرئاسي مسافة 8 أميال أخيرة ليصل إلى قصر الإليزيه، وفقاً لما ورد في موقع History Net الأمريكي.

نصب باستيان-ثيري ودي لا توكناي كميناً لديغول في بلدية كلامار على طول الطريق بين باريس وفيلاكوبلاي، بعد إبرام اتفاق مع مخبر يعمل لصالحهما داخل قصر الإليزيه بأن يتصل هاتفياً بباستيان-ثيري ليخبره وقت مغادرة الرئيس للقصر.

كان هناك طريقان رئيسيان من القصر إلى المطار، ولم يكن ديغول يخبر أحداً قط بالطريق المختار حتى وقت التحرك. لذا، كان يتعيَّن على أحد أعضاء الخلية انتظار موكب الرئيس عند تقاطع مروري رئيسي لمعرفة الطريق المُتّبع وإبلاغ باستيان-ثيري به هاتفياً، الذي بدوره يعطي الإشارة لبقية المهاجمين مع اقتراب موكب ديغول، حتى يغلقوا الطريق ويفتحوا نيران الأسلحة الآلية على الموكب الرئاسي.

187 طلقة.. كان الموت وشيكاً

استمر اجتماع مجلس الوزراء في ذلك اليوم، 22 أغسطس/آب، وقتاً طويلاً ولم يغادر ديغول قصر الإليزيه حتى الساعة 7:35 مساءً. كان ديغول جالساً بجانب زوجته في مؤخرة أول سيارة في الموكب الرئاسي المكوّن من سيارتي صالون طراز “سيتروين دي إس 19” بينما جلس صهره ومساعده الشخصي، العقيد آلان دي بواسيو، في الأمام بجانب الشرطي المُعيَّن سائقاً للسيارة الرئاسية.

استقل السيارة الرئاسية الثانية اثنان من ضباط الشرطة رفيعي المستوى وأحد حراس ديغول الشخصيين وطبيب عسكري. ورافق الموكب اثنان من رجال الدوريات الأمنية على دراجات نارية.

اتصل المخبر بباستيان-ثيري -كما كان مخططاً- لإبلاغه بمغادرة ديغول قصر الإليزيه، واتجه المتآمرون بسياراتهم الأربع إلى مواقعهم على الطريق. لوَّح باستيان-ثيري بإحدى الصحف عند رؤيته سيارة الرئيس. لكن المتآمرين لم يتوقعوا صعوبة الرؤية أثناء الغسق، ثم تفاجأوا بظهور السيارة الرئاسية “سيتروين” أمامهم، فبدأوا إطلاق رصاص أسلحتهم الآلية باتجاه سيارة الرئيس.

انطلق سائق سيارة شارل ديغول مسرعاً على الطريق. حاول المهاجمون استهداف عجلات السيارة، لكنهم فشلوا في إيقافها على الرغم من إصابة اثنين من الإطارات. واصل المهاجمون ملاحقة سيارة الرئيس وأطلقوا الرصاص نحو مكان جلوسه في المقعد الخلفي، ما أسفر عن تحطيم الزجاج واختراق الرصاص لجوانب السيارة.

لم يتمكَّن المهاجمون من إصابة الرئيس بفضل قدرة السائق على تفادي الطلقات النارية والإسراع بالسيارة رغم اختراق الرصاص لاثنين من إطاراتها. وصل ديغول وزوجته بأمان إلى قاعدة فيلاكوبلاي الجوية، حيث قال ديغول أمام الموجودين: “هذه المرة كان الموت وشيكاً”.

في الواقع، كانت نجاة جميع طاقم الموكب الرئاسي أشبه بمعجزة، بالنظر إلى أنَّ المحققين عثروا على 187 طلقة في مكان الحادث.

الإعدام بسبب “الاستهزاء” بالرئيس

تفرّق المتآمرون بعد فشل محاولة الاغتيال واتفقوا على أن يشق كل واحد منهم طريقه الخاص عبر الحدود إلى إسبانيا. لكن لسبب مجهول، تلكأ معظمهم في تنفيذ خطته للهروب من باريس. وفي غضون أسبوعين ألقت السلطات القبض على 9 من منفذي الهجوم، على رأسهم باستيان-ثيري ودي لا توكناي.

في 28 يناير/كانون الثاني 1963، مَثُل المتآمرون التسعة المقبوض عليهم أمام القضاء العسكري الفرنسي، بينما حوكم الآخرون غيابياً. استحوذت تلك المحاكمة على اهتمام فرنسا. حاول دو لا توكناي الاستفادة من لحظة وجوده تحت الأضواء، حيث انتقد في شهادته الوضع الحالي لفرنسا والجزائر وموقع كل منهما في الحضارة الغربية. جادل محامو دو لا توكناي بأنَّ تصرفات موكله كانت مدفوعة بالولاء للوطن، إذ رأى في استقلال الجزائر خيانة لتعهداته العسكرية بالحفاظ على المستعمرة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من فرنسا.

اتخذ باستيان-ثيري موقفاً أكثر عدوانية، حيث هاجم حكومة ديغول وبرَّر محاولة الاغتيال بأنَّها وسيلة مشروعة لإسقاط طاغية.

ومع ذلك، أصر الضابط الشاب بقوة على أنَّ هدفه طوال الوقت كان اختطاف الرئيس، وليس قتله. عندما سأله المدعي العام عمَّا كان سيفعله لو قاوم ديغول محاولة اختطافه، أجاب باستيان-ثيري باستهزاء إنَّه كان سيستولي بدلاً من ذلك على نظارات الرئيس وحمّالة بنطاله.

قد يصدر الرئيس قراراً بالعفو عن قاتل، لكنه لن يتسامح مع الإهانة العلنية، وهذا ما حدث بالفعل. استمرت المحاكمة حتى 4 مارس/آذار وصدر ضد باستيان-ثيري حكم بالإعدام، جنباً إلى جنب مع 5 متآمرين آخرين، من ضمنهم دي لا توكناي. خفَّف ديغول فيما بعد أحكام الإعدام إلى سجن مدى الحياة، ما عدا حكم الإعدام الصادر بحق باستيان-ثيري.

اقرأ أيضا: الولايات المتحدة: القرار 2254 هو الحل الوحيد لإنهاء الوضع السوري

قد يعجبك ايضا