الحرب ترحل… والإعمار لا يأتي

- الإعلانات -

على رغم الشكوك المُثارة من قِبَل البعض حيال دقّة الأرقام الرسمية، إلّا أن ما تُظهره البيانات الأوّلية في شأن نسبة الضرر الحاصل جرّاء الحرب، في الأبنية السكنية والبنى التحتية في معظم المحافظات السورية، يبقى مع ذلك صادماً، فيما يؤكد أن عملية إصلاح وإعادة إعمار ما خُرّب ودُمّر تحتاج إلى جهد كبير جدّاً، لم تتوفّر بعد الظروف السياسية والإمكانات الاقتصادية اللازمة له

على رغم انحسار المعارك عن مساحة ليست بالقليلة من جغرافيا البلاد منذ حوالي عامَين ونصف عام، إلّا أن مشاهد الدمار والخراب التي لا تزال حاضرة، ولا سيما بين الأبنية السكنية والمنشآت والبنى التحتية، تَطرح تساؤلات كثيرة بين عموم السوريين. تساؤلاتٌ يصف البعض الإجابة الموضوعية عليها بأنها باتت تعجيزية في ضوء التدهور الاقتصادي المستمرّ الذي تعيشه البلاد، واستعصاء جهود الحلّ السياسي. فمَن الذي سوف يعيد البناء، أو على الأقلّ يعيد الوضع إلى ما كان عليه سابقاً؟ ومن أين سيتمّ تمويل كلّ ذلك؟ وما هو التاريخ المتوقَّع لتحقيق هكذا طموح؟ حتى وقت قريب، لم تكن هناك أيّ بيانات رسمية ترصد حجم الدمار وتَوزّعه الجغرافي؛ إذ باستثناء ما خلص إليه مسْح السكّان الذي أُجري في عام 2014، فإن كلّ ما نُشر في السنوات التالية كان صادراً عن منظّمات أممية ودولية ومراكز وجهات بحثية غير رسمية، أو تقديرات شخصية لباحثين ومهتمّين بالشأن العام داخل البلاد وخارجها، وهذا ما كان يطرح شكوكاً حيال دقّة بعض هذه البيانات، خاصة تلك التي لم تستند إلى منهجية علمية متقدّمة في الإحصاء أو إلى صور الأقمار الصناعية.

محافظة واحدة ناجية فقط

أفرِج، أخيراً، عن بعض البيانات الرسمية الهامّة المتعلّقة بحجم الضرر الذي لحق بالأبنية السكنية والبنى التحتية في جميع المحافظات السورية، باستثناء إدلب والرقة. وبحسب البيانات الأوّلية التي حصلت عليها «الأخبار»، فإن عدد الوحدات السكنية في المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة الحكومة، والتي تعرّضت للضرر الجزئي والكامل خلال سنوات الأزمة، قُدِّر بحوالي 215 ألف وحدة. وجاءت محافظة ريف دمشق في صدارة المحافظات لجهة نسبة هذا الضرر الذي قُدّر فيها بحوالي 40%، تلتْها محافظة حلب بحوالي 38%، فمحافظة حمص ثالثاً بحوالي 30%، ثمّ محافظة دير الزور رابعاً بنسبة قُدّرت بحوالي 18%، ومحافظة الحسكة خامساً بحوالي 15%، وحماة سادساً بنسبة 10%. أمّا محافظة درعا، التي انطلقت منها شرارة الأحداث في عام 2011، ثمّ ركبت قطار المصالحات في عام 2018 تقريباً، فإن التقديرات الرسمية تتحدّث عن تضرّر حوالي 6.5% من وحداتها السكنية.

لا يقلّ الضرر الذي لحِق بالبنى التحتية خلال سنوات الأزمة أهمّية عن ذلك الذي أصاب الوحدات السكنية

وعلى الرغم من أن معظم أحياء العاصمة بقيت آمنة وبعيدة عن المعارك والاشتباكات، إلّا أن نسبة الضرر الذي لحِق بوحداتها السكنية قُدّرت بحوالي 5%؛ إذ إن دخول بعض الأحياء كجوبر، القابون، مخيم اليرموك، التضامن، القدم، وغيرها على خطّ الأزمة، تسبّب بضرر كبير لوحداتها السكنية، إلّا أن نسبته إلى إجمالي واقع الوحدات على مستوى المحافظة، كانت قليلة مقارنة بالمحافظات الأخرى. وهذا أيضاً ما ينطبق على محافظة اللاذقية التي قُدّرت نسبة الضرر في وحداتها السكنية بحوالي 3.5%. أمّا المحافظتان اللتان سجّلتا نسبة ضئيلة جدّاً من هذا الضرر، فهما: القنيطرة (0.8%) والسويداء (0.2%)، بينما لم تُسجَّل أيّ نسبة في محافظة طرطوس. لكن هل هناك إسقاط لهذه النسب مالياً؟ وهل جرى تقدير قيمة الأضرار؟

عملياً، ليست هناك أيّ تقديرات رسمية معلَنة حول قيمة الأضرار، في حين أن التقديرات الخاصة غير الرسمية كثيرة ومتشعّبة، إلّا أن أكثرها موضوعية هي تلك الصادرة عن «المركز السوري لبحوث السياسات»، الذي اعتمد في تقديراته على نتائج مسْح السكّان الرسمي لعام 2014، وعلى مقابلات الخبراء والبيانات الثانوية وخرائط معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب. ويقدّر المركز قيمة مخزون رأس المال المدمَّر كلّياً أو جزئياً بحوالي 64.5 مليار دولار، بما يشمل المؤسّسات العامّة والخاصة والمعدّات والأبنية السكنية وغير السكنية المدمَّرة.

حتى المحافظات الآمنة

ولا يقلّ الضرر الذي لحِق بالبنى التحتية خلال سنوات الأزمة، أهمّية عن ذلك الذي أصاب الوحدات السكنية، لا بل إنه قد يكون أكثر أهمّية بالنسبة إلى النازحين واللاجئين الراغبين في العودة إلى منازلهم لترميمها وسكنها، وكذلك بالنسبة إلى المؤسّسات الحكومية التي تجد نفسها حالياً عاجزة في ظلّ شحّ الإمكانات والموارد المالية لإعادة إصلاح وتأهيل جميع البنى التحتية والمرافق الخدمية المتضرّرة، ولا سيما أن البيانات الحكومية تُظهر أن نسبة الضرر الحاصل في هذه البنى لم تكن دائماً متناسبة مع نسبة ما تعرّضت له الوحدات السكنية من دمار كلّي أو جزئي. وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في محافظات كدرعا، السويداء، القنيطرة، اللاذقية، الحسكة، وحتى في طرطوس التي لم تسجّل أيّ ضرر في وحداتها السكنية.

الملاحظة الثانية التي تحمل عليها البيانات الرسمية، هي أن النسبة الكبرى لتضرّر البنى التحتية سُجّلت في محافظات المنطقة الشرقية، حيث كان يتواجد ويسيطر تنظيم «داعش»، ويتركّز قصف قوات «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن، إذ تشير تلك البيانات إلى أن محافظة الرقة، التي شهدت قصفاً أميركياً واسع النطاق بحجّة تحرير المدينة من تنظيم «داعش»، كانت الأكثر تضرّراً بين المحافظات حيث بلغت النسبة حوالي 78%، ثمّ جاءت دير الزور ثانياً بنسبة 67%، فالحسكة ثالثاً بنسبة 60%.

وتضيف البيانات المُشار إليها أن محافظة حلب احتلّت المرتبة الرابعة بنسبة قدْرها 59%، ثمّ حلّت درعا في المرتبة الخامسة بنسبة 58%، على رغم أنها كانت من بين المحافظات الأقلّ تضرّراً في وحداتها السكنية، وكذلك الحال بالنسبة إلى محافظة حماة التي سجّلت حوالي 56%. أمّا محافظة ريف دمشق، فقد قُدّرت نسبة الضرر في بناها التحتية بحوالي 48%، تلتْها محافظة السويداء بنسبة 47%، فمحافظة حمص بحوالي 45%، والقنيطرة بـ40%، ثمّ طرطوس التي لم تسجّل أيّ ضرر في وحداتها السكنية، فيما الضرر في بناها التحتية بلغ حوالي 22.5%، وهي نسبة ناتجة غالباً من الأحداث التي شهدتها بعض مناطق المحافظة بداية الأزمة، ثمّ نتيجة الضغط السكاني الذي شكّله النازحون الوافدون إليها.

وبينما قُدّرت نسبة الضرر في البنى التحتية لمحافظة اللاذقية بحوالي 17%، فقد جاءت دمشق أخيراً بنسبة لم تتجاوز 7%. أمّا إدلب فقد غابت عن الإحصاءات، لوقوع المدينة ومناطق عدّة من المحافظة تحت سيطرة الفصائل المسلّحة.

زياد غصن – الأخبار

اقرأ أيضا: إيران ترفض استكمال المحادثات مع السعودية وتتهمها “بدعم الاحتجاجات”

قد يعجبك ايضا