مراجعة لمفارقات الميدان: أنقرة ودمشق لم تريدا اشتباكاً

- الإعلانات -

في شباط 2020، وبينما كانت المعارك على أشدّها في أرياف حلب الغربية والجنوبية الغربية، ومناطق واسعة من ريف إدلب الجنوبي، وعلى جانبَي الطريق الدولي «M5»، وفي مدينة سراقب، مفتاح الإمساك بالطريق الدولي «M4»، كان ثمّة ما يمكن ملاحظته بسهولة في الميدان. في تلك الأيام، توفّرت لـ«الأخبار» فرصة القيام بجولة ميدانية على خطوط التماس، وعلى طول «M5». على جانبَي الطريق الدولي، وفي عدّة مواقع أخرى، كانت تتوزّع نقاط المراقبة التركية، وفي داخل كلّ منها عشرات الجنود من الجيش التركي. كان الجيش السوري وحلفاؤه قد سيطروا على المناطق التي نُظّمت فيها جولة للصحافيين، حيث اقتربنا من النقاط التركية لمسافة لا تتجاوز الأمتار القليلة، وأمكننا مشاهدة الجنود الأتراك في دُشمهم بوضوح.

مع تقدّم أيام العمليات العسكرية، تمكّن الجيش السوري وحلفاؤه من توسيع نطاق سيطرتهم، وعمدوا إلى تطويق بعض النقاط التركية، ومنْع الدخول والخروج إليها ومنها. حينها، بدت لافتةً كيفية تعامل مَن هم على الجبهة المقابلة للقوّات التركية التي كانت تنتشر في المواقع الخلفية، إلى جانب مسلّحي «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) والفصائل المسلحة الأخرى. لم تعمد القوات السورية، ولا تلك الحليفة، سواء الإيرانية أو الروسية، إلى أسْر الجنود الأتراك الذين «عَلِقوا» في نقاط المراقبة، فضلاً عن استهدافهم بالنيران. بل على العكس، عندما امتدّت فترة تطويق القواعد التركية ومحاصرتها، قامت الشرطة العسكرية الروسية بإدخال شحنات من المؤونة الغذائية والطبّية إلى الجنود الأتراك، على مرأى عدد كبير من الجنود السوريين ومسمعهم، وآخرين من حلفاء سوريا، وهو ما أثار استياء هؤلاء، على اعتبار أن أنقرة كانت إلى ساعتها تقدّم كامل الدعم العسكري والاستخباري واللوجستي للفصائل المسلّحة.

بدا واضحاً آنذاك لِمن هم في الميدان أن ثمّة خطوطاً حمراً ممنوعاً تجاوزها، انبثقت عن تفاهمات نُسجت خلف الكواليس، وكان لا يزال جارياً ترتيبها خلال المعارك المحتدمة. والجدير ذكره، هو أنه على رغم ما جرى لاحقاً من «احتكاكات» عسكرية بين الجيش التركي والقوّات السورية أو الروسية، أو حلفاء سوريا في «محور المقاومة»، كالاستهداف الجوّي الذي نفّذته تركيا في ريف حلب الغربي، وسقط جرّاءه شهداء من «حزب الله»، أو الغارة التي نفّذتها طائرات روسية حربية ضدّ قافلة عسكرية تركية في ريف إدلب الجنوبي، وأدّت إلى مقتل العشرات من الجنود الأتراك؛ فإن هذه الأحداث اعتُبرت موضعية لها سياقاتها وظروفها، وتمّ الردّ عليها مباشرة، ولم ترقَ إلى أن تصبح سياسة عمل، أو توجّهاً واضحاً. وكما أوضح الأتراك لاحقاً، فإنهم لم يكونوا على علم بوجود مجموعة للمقاومة اللبنانية في موقع الاستهداف في ريف حلب، فيما عاد الروس وبرّروا موقفهم أمام الأتراك بأنهم «اعتقدوا» أنهم يستهدفون مسلّحي «الفصائل الإرهابية»، حيث كانت بقعة الاستهداف تحت سيطرتهم المباشرة.

على الأقلّ خلال السنوات الأربع الماضية، لم يكن أيّ من الأطراف يريد الاشتباك عسكرياً

تالياً، جرى الحديث عن عدّة لقاءات عُقدت بين مسؤولي الاستخبارات الأتراك والروس والإيرانيين، لـ«تنظيم القتال» في أرياف حلب وإدلب، ومنْع وقوع مواجهة مباشرة بين قوات الدول الثلاث، وحصْر المعركة على الأرض بين الجيش السوري والفصائل المسلّحة. وسرعان ما بانت نتائج هذه اللقاءات في خطوط الميدان، عندما نفّذت الفصائل ما يشبه «الانسحاب» من بعض المواقع، وتراجعت نحو عمق إدلب، غربي الـ«M5»، بنحو 10 كلم. وجاء ذلك بعدما بدا أن الجيش السوري وحلفاءه يتقدّمون في الميدان بسرعة، وباتوا على مقربة من القواعد العسكرية التركية الكبرى في ريف إدلب، ما أنذر بإمكانية وقوع احتكاكات عسكرية خطيرة، جرى التفاهم على تفاديها عبر وقْف العمليات العسكرية عند هذا الحدّ. وبحسب المصادر الأمنية التي عملت حينها في ريفَي حلب وإدلب، فإن «عدداً من قادة الفصائل المسلّحة، من غير جبهة النصرة، وتحديداً تلك التي كانت تسيطر على مناطق واسعة من ريف حلب الغربي، جاؤوا إلى خطوط التماس خلال المعارك، وأجروا مفاوضات مباشرة مع ضباط من الأمن السوري والحلفاء، جرى بموجبها لاحقاً الاتفاق على تراجعهم غربي الـ»M5»، بعد قتال لم يستمرّ طويلاً». وتعلّق المصادر بأنه «لم تكن لتحصل هذه المفاوضات من أساسها، لو لم يغضّ – على الأقل – الجانب التركي نظره عنها، هذا إذا لم يكن قد دفعهم إليها». وفي مواضع أخرى، في تل رفعت مثلاً، شمال حلب، عندما هدّدت تركيا بشنّ عملية عسكرية هناك ضد «قسد»، أرسلت إيران مستشاريها العسكريين على رأس مقاتلين من «الدفاع الوطني» لينتشروا في التلّ، الأمر الذي منع الهجوم التركي خوفاً من التصادم مع قوات تقودها طهران من جهة، وطمْأن الأتراك من جهة أخرى، على اعتبار أن علاقتهم بالإيرانيين جيدة، ويمكن عبرها التفاهم في الميدان.

كانت هذه، للمفارقة، آخر عملية عسكرية كبيرة ينفّذها الجيش السوري وحلفاؤه. وحتى اليوم، تحافظ خطوط التماس التي رُسمت آنذاك، على استقرارها نسبياً، حيث لا تسجَّل إلا خروقات قليلة، يجري الردّ عليها مباشرة. واللافت أن كلّ «التفاهمات» كانت تجري بطريقة غير مباشرة، وترعاها موسكو أو طهران، أو كلتاهما، من دون أن يكون هنالك تواصل مباشر بين الجانبَين التركي والسوري. وفي السياسة كما في الميدان، منذ بداية عام 2020، بدأت تتبلور تفاهمات غير مباشرة ترعاها روسيا، بعضها ميداني موضعي، كالمعابر بين مناطق سيطرة المسلّحين ومناطق سيطرة الجيش السوري في ريفَي إدلب وحماة، وأخرى على مستوى أكبر، كتلك المتعلّقة بالعمليات العسكرية التركية في سوريا، وآخرها عملية «نبع السلام» (تشرين الأول 2019)، والتي توقّفت بعد انتشار الجيش السوري على أجزاء من الحدود السورية – التركية في شرق الفرات، وفي بعض المواقع العسكرية، وذلك بتفاهم مع «قسد» تمّ تحت ضغط العملية العسكرية التركية.

ومن خلال المراجعة السابقة، يَظهر أنه على الأقلّ خلال السنوات الأربع الماضية، لم يكن أيّ من الأطراف، روسيا وإيران وتركيا وسوريا، يريد الاشتباك عسكرياً. والحقيقة أنه لم تمرّ مرحلة خلال الحرب السورية، أرادت فيها دمشق الانخراط جدّياً في معركة كبرى ضدّ الجيش التركي. وكذلك الحكومة التركية، التي دعمت المسلّحين، ودخلت بقوّاتها إلى سوريا، تجنّبت دائماً الاشتباك المباشر مع الجيش السوري. وحتى لو أراد أحد الطرفَين ذلك، ما كانت روسيا وإيران لتسمحا بوقوعه، لِما يترتّب عليه من مخاطر استراتيجية كبرى. وهذا التفاهم العريض، هو عبارة عن مجموعة متداخلة من «التواطؤات الظرفية» بين مختلف الجهات. وظرف اليوم في سوريا، يبدأ في شرق الفرات حيث التنظيمات المسلّحة الكردية، والمصلحة المشتركة في إنهاء ملفّها، ولا ينتهي بملفّ اللاجئين وفتح الحدود وعودة التبادل التجاري. لكن المسار الجديد، الذي انطلق بالتأكيد، لم يصل بعد إلى مرحلة تنفيذ التفاهمات. إذ يصرّ السوريون على أن «لا تفاهمات كبرى، ولا إعلان مصالحة، ولا قمّة، قبل أن تُثبت تركيا حُسن نياتها على الأرض»، بحسب ما تؤكده المصادر السورية المطلعة، والتي تضيف إن «انسحاب القوات التركية من بعض المناطق التي تحتلّها، لو حدث، سيكون مؤشراً إلى جدّية تركيا، وكون رئيسها لا يقوم بمناورة سياسية – انتخابية». وفي الاتجاه نفسه، تشدّد مصادر سورية أخرى على أن «لا ثقة بعد بالنظام التركي، وكلّ الذي جرى ويجري الآن من محادثات، وتفاهمات غير مباشرة، إنما يجري برعاية موسكو وضمانتها، وهي الضمانة الوحيدة التي تعوّل عليها دمشق».

الاخبار – حسين الأمين

اقرأ أيضا: خبير: لا يمكن حل مشاكل سوريا إلا إذا توحد السوريون تحت قيادة الأسد

قد يعجبك ايضا