من «حلم الصلاة» إلى مصافحة الأسد: نهاية المغامرة التركية

- الإعلانات -

من «حلم الصلاة» إلى مصافحة الأسد: نهاية المغامرة التركية

علاء حلبي

لم تكد تَخرج أوّل تظاهرة في الجنوب السوري حتى سارعت تركيا إلى البدء ببناء مخيّمات مؤقّتة قرب حدودها الجنوبية، مشرّعةً أبوابها أمام السوريين، وممهّدةً الطريق لهم للعبور إلى الجهة المقابِلة من الحدود. تَرافق ذلك مع مفارقة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سياسة الانفتاح والتعامل بندّية مع سوريا، إلى محاولة لعب دور الوصاية عليها، في ما بدا استعادة لأحلام السلطنة العثمانية. هكذا، سعى، ابتداءً، إلى محاولة فرْض جماعة «الإخوان المسلمين» المصنَّفة على «لوائح الإرهاب» السورية على حكومة دمشق، قبل أن يُحوّل بلاده إلى قاعدة انطلاق عسكرية لفصائل عدّة، يضمّ قسم كبير منها «جهاديين» تمّ تسهيل مرورهم إلى الأراضي السورية، في محاولة لتغيير الواقع بالقوة. وفي الوقت نفسه، استثمر موجات اللجوء السوري في ملفّات عدّة مشتركة مع الاتحاد الأوروبي، عبر التهديد بدفعهم نحوه. على أن هذه المغامرة انتهت بمشهد شديد التعقيد، يشكّل اللاجئون السوريون الذين لم يَعُد من الممكن استثمارهم، مشكلة رئيسة فيه بالنسبة إلى أنقرة، إلى جانب ملفّات عديدة لا طريق لحلّها من دون تطبيع مع دمشق، يبدو أنه لم يَعُد بعيداً

بعد زيارة عاجلة أجراها وزير الخارجية التركي السابق، أحمد داوود أوغلو، إلى دمشق عام 2011 (يترأّس أوغلو حالياً «حزب المستقبل» المُعارض في تركيا)، خرج الوزير التركي بتصريحات مرتفعة النبرة، بعد أن قوبلت محاولة بلاده فرْض تغييرات على هيكلية السلطة السورية بالرفض، لترسم هذه التصريحات معالم مرحلة عداء ستستمرّ لسنوات عديدة لاحقة بين البلدَين. وبينما كانت الإضرابات تنتقل بشكل تدريجي من الجنوب إلى الوسط، كان الشمال السوري بعيداً نسبياً عنها في البداية، قبل أن يشتعل ريف إدلب، لتَظهر، مع استمرار اشتعال الأوضاع، ملامح حقبة فصائليّة اتّخذت شكلاً منظّماً؛ فاشتعل وسط سوريا وجنوبه وشماله الغربي، وبقيت حلب، التي كانت تُعتبر عاصمة سوريا الاقتصادية، هادئة، بعدما عزلت نفسها عن الاضطرابات. على أن المشهد تَغيّر في عام 2012، إثر توغُّل فصائل عدّة تقودها جماعة «لواء التوحيد» حينها، المرتبطة بـ«الإخوان المسلمين» في مناطق عدّة في المدينة، أبرزها مركزها والمناطق الصناعية التي تعرّضت لعمليات تدمير وسرقة للمصانع التي نُقل معظمها إلى تركيا. وسيطرت تلك الفصائل بشكل تدريجي على أحياء جديدة، ما أدّى في النهاية إلى قبْضها على النصف الشمالي الشرقي، وأجزاء من الأحياء الغربية الجنوبية، ليبقى الجزء الغربي تحت سيطرة الحكومة السورية محاصَراً.
وقد أظهرت تسريبات سياسية عديدة في وقت لاحق، دوراً تركياً بارزاً في محاولة إسقاط حلب، ومن بينها التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية القطري السابق، حمد بن جاسم، الذي شرح حيثيات التحالف الذي تمّ تشكيله لإسقاط الحكومة السورية، والذي ضمّ حينها كلّاً من السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة والأردن ودولاً أخرى. إذ جرى تمرير التمويل إلى تركيا، التي قامت، بإشراف مباشر من واشنطن، بترتيب صفوف الفصائل المعارِضة، وتسليحها، وحتى قيادتها، فيما نشطت هذه الأخيرة تحت إشراف غرفتَي عمل، الأولى في الأردن (الموك)، والثانية في تركيا (الموم). ساهم هذا الدعم المستمرّ، بالإضافة إلى تشريع الأبواب أمام آلاف «الجهاديين» الذين عبَروا تركيا للوصول إلى سوريا، في نموّ تشكيلات «جهادية» عدّة، أبرزها «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، و«جبهة النصرة» (تحوّل اسمها لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام)، وهو ما خلق مشهداً ميدانياً جديداً، تغيّرت على إثره الكثير من السياسات، خصوصاً أنه مهّد لتدخّل أميركي تركي مباشر في وقت لاحق.
خلال مرحلة تدريب وتمويل الفصائل عبر غرفتَي «موك» و«موم»، أطلقت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، خطّتَين متلاحقتَين لتشكيل فصيل عسكري سوري معارض، قامت بتدريبه وتسليحه في تركيا، وإدخاله وأسلحته عبر أعزاز في ريف حلب، ليقوم – في كلا المحاولتَين – بتسليم سلاحه إلى «جبهة النصرة» بشكل مباشر، وإلى تنظيم «داعش» بشكل غير مباشر، علماً أن الأولى ولدت في الأساس من رحِم الأخير. وقد حاول «داعش»، عبر سعيه لضمّ الساحة السورية إلى الساحة العراقية عندما كان ينشط تحت اسم «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق»، إلى الهيمنة على «النصرة»، لتنشأ ساحة اقتتال «جهادي» طويل، ما زالت فصوله مستمرّة حتى الآن، وتشارك فيه فصائل عديدة، تضمّ مقاتلين وتشكيلات من مختلف الجنسيات.
وبالتوازي مع التورّط في العمل العسكري الميداني، شكّلت تركيا قاعدة انطلاق للعمل السياسي المعارض لدمشق، عبر احتضان وجوه مختلفة من المعارضة شكّلت في البداية «المجلس الوطني»، وفي وقت لاحق «الائتلاف الوطني»، الذي انبثقت منه «الحكومة السورية المؤقّتة» التي تشرف شكلياً على مناطق نفوذ تركيا في الشمال السوري. كذلك، أفشلت أنقرة المحاولة السعودية لقيادة المعارضة عبر «اللجان والهيئات التفاوضية»، التي انتقل مقرّ عملها
إلى تركيا، لتتحكّم الأخيرة بالمعارضة السورية بشكل كامل، وتُحوّلها إلى أدوات طيّعة في ميادين السياسة.

اختبرت تركيا، مع التدخّل الروسي، مجموعة من المواجهات السياسية والعسكرية

«الخيانة» الأميركية

شكّل التدخل الأميركي المباشر في سوريا، عبر «التحالف الدولي ضدّ داعش»، عام 2014، منعطفاً بارزاً في شكل العلاقات بين أطراف الحلف المعادي لدمشق. إذ وجدت أنقرة نفسها سريعاً أمام تحدّيات جديدة، مع اعتماد الولايات المتحدة على القوى الكردية كحليف لها على الأرض، إثر فشل محاولتَين سابقتَين خاضتْهما للتعاون مع فصائل عربية ضمن غرفة «الموم»، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى إغلاق هذه الأخيرة، ليبدأ مع انطفائها فصل جديد. أبدت تركيا، ابتداءً، تعاوناً كبيراً مع الولايات المتحدة، وصل إلى حدّ السماح لمقاتلين أكراد بالانتقال عبر الأراضي التركية لشنّ هجمات عبر الحدود ضدّ تنظيم «داعش». وقد تمكّن الأكراد («قوات سوريا الديموقراطية» التي يقودها «حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي تعتبره تركيا امتداداً لـ»حزب العمال الكردستاني»)، بالتعاون مع «التحالف»، من طرْد مُقاتلي التنظيم، والسيطرة بشكل تدريجي على معظم الشمال الشرقي من سوريا، بما فيه المناطق النفطية، الأمر الذي أفسح المجال أمامهم لتثبيت «الإدارة الذاتية» التي قاموا بإنشائها خلال سنوات الحرب، خصوصاً في ظلّ تَوافر مصادر دخْل كبيرة لهم وفّرها النفط، المحميّة مناطقه بشكل مباشر من واشنطن. على أن تلك الوقائع خلقت أزمات متتالية بين تركيا والولايات المتحدة، حاولت خلالها الأخيرة تبريد الأجواء بين وقت وآخر عبر السماح لأنقرة بشنّ هجمات عسكرية على مناطق كردية في الشمال السوري، ليتوغّل الجيش التركي، ومعه فصائل سورية معارِضة، في مناطق عدّة عبر ثلاث عمليات عسكرية (درع الفرات 2017 – غصن الزيتون 2018 – نبع السلام 2019).

نقطة التحوّل
شكّل التدخّل الروسي في الحرب السورية عام 2015، نقطة تحوّل بارزة في الميدانَين السياسي والعسكري. إذ أفضى إلى إنهاء عمل غرفة «الموك» في الأردن، وأعاد ترتيب الجنوب السوري عبر سلسلة مصالحات انتهت بإعادة فتْح المعابر بين سوريا والأردن، كما نجح في تحجيم الدور الأميركي، وانعكس بشكل مباشر على الدور التركي في الحرب. واختبرت تركيا، مع تدخّل روسيا، مجموعة من المواجهات السياسية والعسكرية، بدأت بردّ روسي عنيف على إسقاط الجيش التركي طائرة «سوخوي» روسية عام 2015، تبعتْه سلسلة لقاءات روسية – تركية أسّست لتحالف سياسي حول سوريا شكّلت إيران الضلع الثالث له في ما عُرف بـ«مسار أستانا». مسارٌ نجحت من خلاله روسيا، التي كانت تمكّنت من فرْض نفسها في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، مُوازِنةً الحضور الأميركي هناك، من إعادة ترتيب المشهد السياسي، خصوصاً بعدما استشعرت تركيا «خيانة» واشنطن وحلف «الناتو» لها، واندفعت إلى الانخراط في عملية جديدة أسّست لعلاقات وطيدة مع موسكو.
وفي أعقاب حملة عسكرية مكثّفة أطلقها الجيشان السوري والروسي، وأدّت إلى إخراج الفصائل المسلّحة من حلب، وإنهاء الاقتتال في محيط دمشق ووسط سوريا والجنوب السوري، رسم اتّفاق مفصلي بين روسيا وتركيا معالم مرحلة جديدة لـ«خفض التصعيد». اتّفاقٌ استغلّته تركيا للبدء بإنشاء حزام بشري على طول الحدود بين البلدَين، هدفه التخلّص من اللاجئين السوريين عبر ترحيلهم إليه من جهة، وضمان موطئ قدم لها في الجهة الجنوبية من حدودها من جهة أخرى، بالتوازي مع عمليات تغيير ديموغرافية ما تزال مستمرّة حتى الآن، وترمي في محصّلتها إلى إبعاد الأكراد عن الحدود. وعلى الرغم من التدخّل العسكري التركي في سوريا، لم يختبر الجيش التركي إلّا مواجهة وحيدة مع الجيش السوري عام 2020، خلال عملية عسكرية نفّذها الأخير بمؤازرة روسية، وسيطر خلالها على مناطق واسعة من ريف إدلب، ومعظم الطريق الواصل بين حلب – واللاذقية، بالإضافة إلى فتْح طريق حلب – دمشق الدولي. إذ تعرّضت قاعدة تركية، آنذاك، للقصف، ما أدّى إلى مقتل وإصابة أكثر من 100 جندي تركي، الأمر الذي دفع أنقرة إلى الابتعاد عن الحلّ العسكري، والالتفاف بشكل تدريجي حول الحلّ السياسي الذي رسمتْه موسكو عبر «مسار أستانا».

في الوقت الحالي، ومع خوض الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، انتخابات رئاسية حاسمة، يلعب فيها الملفّ السوري بجزأيه (اللاجئون والأكراد) دوراً أساسياً، وفي ظلّ حالة الاستعصاء السياسية والميدانية على الأرض السورية، وفي ضوء التغيرّات السياسية الإقليمية العديدة، يبدو أن حكومة الرئيس التركي لم تَعُد تجِد أيّ مخرج للملفّ السوري من دون الانخراط في علاقات مع حكومة دمشق. ومن هنا، فقد بدأ البلدان سلسلة اجتماعات أمنية، وصلت أخيراً إلى تفاهمات مهّدت الطريق لإجراء لقاء بين وزيرَي دفاع الدولتَين في موسكو قبل نحو ثلاثة أسابيع، لتتبع ذلك في الأيام المقبلة لقاءات على مستوى وزيرَي الخارجية. هكذا، تتحوّل أنقرة ودمشق تدريجاً من مرحلة العداء إلى طوْر التنسيق والتعاون، بعد سنوات من الحرب فشل خلالها الرئيس التركي في تحقيق وعود عديدة، ومن بينها وعد أَطلقه عام 2012 بـ«الصلاة في الجامع الأموي بعد إسقاط النظام»، فهل ستتمكّن العلاقات السورية – التركية من فتْح صفحة جديدة؟

الأخبار

قد يعجبك ايضا