أزمة الوقود تدفع بالسوريين إلى “حمامات السوق”

- الإعلانات -

أزمة الوقود تدفع بالسوريين إلى “حمامات السوق”

باتت “حمامات السوق” وجهة السوريين المثلى هربا من ضغط الضرورة التي تفرضها الأزمة المزمنة في المشتقات النفطية.
في سنين خلت، كانت “حمامات السوق” في دمشق طقسا ترفيهيا يقصده الكثير من الرجال والنساء مرة أو اثنتين خلال الشهر.
اليوم، أدت الضائقة النفطية الناجمة عن الحصار الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرار جيشها بتصدير كميات ضخمة من النفط السوري المسروق نحو الأسواق المجاورة، إلى تراجع كبير في وفرة وقود التدفئة وأفقدت الكثير من السوريين القدرة على تأمين الوقود اللازم لتسخين المياه المنزلية.
واقع الحال المرير هذا، أجبر السوريين على اللجوء إلى الحمامات الشعبية المعروفة باسم “حمامات السوق” كأحد الحلول البديلة عن الحمام المنزلي الذي بدا استخدامه أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً بسبب شح المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة على مدار الـ 24 ساعة.

ومن بين 65 حماماً شعبياً في مدينة دمشق، يعمل اليوم عدد محدود منها بسبب الضرر الذي طال معظمها خلال الحرب.
وخلال السنوات الأخيرة، فرض ضيق الحال الذي يهيمن على حياة السوريون تراجعا في أعداد رواد الحمامات لمقصد ترفيهي، إلا أنه، ووفقا لمقولة: “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فقد بات من المرجح اندفاع أصحاب الحمامات المدمرة إلى إعادة تأهليها تبعا للنشاط المستجد الذي أظهره القطاع جراء شح المحروقات.
في شهر أغسطس/آب الماضي، قالت وزارة النفط السورية إن “القوات الأمريكية ومرتزقتها يسرقون ما معدله 66 ألف برميل من النفط يومياً في سوريا حيث يقدر متوسط إنتاج البلاد اليومي من النفط بنحو 80 ألف برميل في النصف الأول من عام 2022”.
من بين الحمامات الدمشقية النشطة والشهيرة تاريخيا، رصدت “سبوتنيك” حمام نور الدين الشهيد الذي يعود بناؤه إلى 853 عام وسط سوق “البزورية” القريب من الجامع الأموي الكبير، بجوار قصر العظم وخان أسعد باشا.
حركة نشطة
يقول “أبو حسام”، وهو أحد عمال حمام “نور الدين الشهيد”، في تصريح لـ”سبوتنيك”: “حالياً هناك حركة عمل جيدة في الحمام بسبب أزمة الوقود”، مضيفًا بأن عدد الزبائن الذين يقصدون الحمام يصل لنحو 100 شخص في اليوم”.
وأرجع أبو حسام أسباب الزيادة في أعداد رواد الحمام إلى أن “أزمة الوقود التي تعاني منها البلاد، زادت من إقبال الناس على حمامات السوق، فتسخين المياه في المنزل لم يعد أمراً سهلاً بسبب صعوبة تأمين مادة المازوت”.

ولفت أبو حسام إلى أن “المشكلة أيضاً تطال أصحاب الحمامات الذين لا تكفيهم مخصصاتهم المدعومة حكومياً لتشغيل الحمامات، ويضطرون لشراء بشراء كميات تفوق 100 ليتر يوميًا من المازوت من السوق الموازية بأسعار تتجاوز10 آلاف ليرة سورية لليتر الواحد وهذا أدى إلى زيادة كلفة تشغيل الحمام وإلى ارتفاع أجور الاستحمام التي وصلت إلى 25 ألف ليرة سورية للشخص الواحد”.
مياه ساخنة
الشاب معتصم، أحد زبائن الحمام، قال لـ”سبوتنيك” بعد الانتهاء من أخذ حمامه: “نحن مجموعة من الحلاقين نأتي إلى الحمام في يوم عطلتنا وهو يوم الاثنين من كل أسبوع فنحن نحب المجيء إلى مدينة دمشق القديمة إضافة إلى أن حمام السوق له متعة خاصة وهو في الوقت نفسه حل من الحلول لتأمين المياه الساخنة بسبب صعوبة ذلك في المنزل نظراً لأزمة الكهرباء والوقود التي نعاني منها”.
بدوره قال الشاب محمد الشيخ: “نحن حلاقين نأتي إلى الحمام بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة وعد توفر الوقود لتشغيل الحمامات في المنزل، إضافة إلى حبنا للأجواء التراثية الجميلة في هذه الحمامات الشعبية”.
سائحة سويسرية: سعيدة في سوريا
وبعيداً عن أجواء الأزمة النفطية يحرص كثير من السياح العرب والأجانب على زيارة الأحياء الشعبية القديمة والمباني التراثية في مدينة دمشق القديمة للاطلاع عن قرب على عادات الشعب السوري وأساليب تعايشه مع الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها منذ اندلاع الحرب عام 2011.
في هذا السياق، قالت السيدة “أغنيس لانغر” (وهي مديرة مشاريع من سويسرا) في تصريح لـ”سبوتنيك” خلال زيارتها لحمام نور الدين الشهيد ضمن جولة لها في مدينة دمشق القديمة: “وصلت إلى سوريا منذ وقت قريب وأنا سعيدة برؤية الأماكن السياحية في دمشق وبزيارتي لهذا الحمام وللأسواق الشعبية بشكل عام وللأماكن الأثرية، وسأقوم بزيارة أماكن أخرى في الأيام القادمة”.

وأضافت: “جئت لوحدي إلى سوريا وأخطط خلال وجودي فيها لـ11 يوماً لزيارة عدة أماكن في دمشق وحمص وحلب ومعلولا وصيدنايا وتدمر وبصرى وغيرها من الأماكن السياحية والأثرية وأنا سعيدة جداً بزيارتي لسوريا”.
النساء أيضا
ويعود حمام نور الدين الشهيد إلى العهد الأيوبي حيث بني عام 565 هجري 1170 ميلادية أثناء ولاية الشام للحاكم نور الدين وكان يرتاده الزبائن وهو يمثل إرث أجداده ويمثل أحد المعالم السياحية المهمة في مدينة دمشق القديمة ويديره عائلة الحمامي الدمشقية فبعد إغلاقه لمدة خمسين عاماً واستخدم حينها مستودعاً لمحلات البزورية، تم ترميم الحمام عام 1979 بإشراف المديرية العامة السورية للآثار والمتاحف للحفاظ على هيئته ونمطه القديم ودعم أساساته، لما يحمله من طابع أثري مهم.

ولا تقتصر زيارة حمام السوق على الرجال فقط، إنما يمكن للنساء أن يقصدن عددًا من هذه الحمامات ومنها حمام الناصرية الذي أعيد ترميمه وتم افتتاحه لتقديم هذه الخدمة للنساء من الصباح وحتى المساء ومراعاة جميع احتياجات النساء، وتوفير الجو المناسب خلال الأفراح والمناسبات العائلية واستجابة للظروف الطارئة المتعلقة بأزمة الطاقة التي جعلت من ارتياد الحمامات الشعبية خيارًا مكلفًا لا بد منه في لحظة تعيش فيها البلاد حاجة ماسة إلى كميات متوفرة من النفط والغاز الذي يسرق من أمام عينيها وفي وضح النهار على يد قوات الاحتلال الأمريكي والميليشيات التابعة له في شرق وشمال شرق سوريا.
في سياق متصل، كشفت وزارة الخارجية السورية، في منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عن قيمة الخسائر المباشرة لاعتداءات القوات الأمريكية على أراضيها، وقالت إنّها تبلغ 25.9 مليار دولار، بينها 19.8مليار دولار حجم خسائر النفط والغاز المسروق.
يشار إلى أن إنتاج سوريا النفطي تراجع بحدة خلال سنوات الحرب من نحو 380 ألف برميل يومياً قبل الحرب، ليصبح نحو 16 ألف برميل يومياً فقط تصل إلى مصافي النفط السورية من جراء خروج تلك الحقول عن سيطرة الدولة وقيام قوات الاحتلال الأمريكية وميليشيات مسلحة بالسيطرة عليها وعلى أهم وأغزر حقول النفط والغاز في الشرق السوري.

سبوتنك

قد يعجبك ايضا